محمد أبو زهرة

4517

زهرة التفاسير

الأمر الثاني - أن قوله تعالى : إِلَّا أَنْ يَشاءَ ذكر الفعل المستقبل دون الماضي للإشارة إلى أنه متعلق بالمستقبل ، والمستقبل بيد اللّه وحده وهو علام الغيوب فلا يعلم ما سيكون إنما يعلمه علام الغيوب . وإن المؤمن يجب أن يكون ذاكرا للّه دائما ، لتستقيم حياته ، ويستقيم أمره مع الناس ويكون مصدر نفع وخير لهم دائما ؛ ولذا قال عزّ من قائل : وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ ، أي اجعل ذكر اللّه تعالى ملء قلبك دائما ، فلا تغفل عن ذكره ، فإن بذكره تطمئن القلوب به ، وتطب من أدوائها ، ومن كان اللّه تعالى في نفسه لا يغيب عنه لا يضل ولا يشقى ، وإذا غاب عنك أمر أو لم تتمكن من شئ فعسى أن يكون المغيب خيرا مما فات ، وعسى أن المدخر له أغنى وأقنى ؛ ولذا قال تعالى : وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً ، ( الواو ) عاطفة قُلْ على وَلا تَقُولَنَّ فهو عطف الأمر على النهى ، أي أنه نهاه سبحانه عن أن يعزم الأمر غدا ، بل يعلقه على مشيئة اللّه تعالى مفوضا إليه سبحانه راجيا الخير ، متوقعا له ، ويقوله في إرادته ورغبته . واستثناؤه بالمشيئة رجاء أن يجعل اللّه خيرا منه إذا فاته ، فالأمور كلها بإرادته سبحانه ومشيئته العليا ، ولن يكون شئ في الوجود إلا بمشيئته ، فمعنى وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي . . . املأ نفسك رجاء بأن يحقق لك أمرا خيرا مما كنت اعتزمته من ناحيتين : الناحية الأولى - أنه يكون أقرب منالا ، وأسهل تحصيلا . الناحية الثانية - أنه يكون خيرا رشدا وعاقبة ، واللّه تعالى عليم .