محمد أبو زهرة

4512

زهرة التفاسير

الأمر الثاني - أن الناس لم يخلقوا سدى ، وأن الساعة وهي القيامة آتية لا ريب فيها ، فلا يرتاب فيها مرتاب يدرك الحياة وغايتها ونهايتها . ويظهر أنهم لم يعيشوا طويلا ، بعد أن أعثر عليهم ، بل ماتوا ولم يضرب على آذانهم فقط ، وأنهم من بعدهم تنازعوا في أمرهم ، ما ذا يصنعون لهم تكريما لشأنهم ، وثباتهم في الحق والبلاء . ولذا قال : إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ، إِذْ ظرف زمان للماضى متعلق في الظاهر بقوله تعالى : أَعْثَرْنا ، أي أن النزاع في أمرهم يبنون عليهم بنيانا أو مسجدا ، إنما كان في وقت العثور ، وهذا يدل على أنهم لم يعيشوا إلا بقدر بعثهم والعثور عليهم ليكونوا حجة قائمة شاهدة حسية بعلمه ، وماتوا فور هذا ؛ ولذا كان زمن العثور هو زمن التنازع في أمرهم مما يدل على اتحادهما أو على قربهما قربا يشبه الوحدة الزمنية . والتنازع هنا هو الاختلاف الذي يتضمن تعصب كل صاحب رأى لرأيه ، حتى وصل إلى درجة التنازع ، وقد اتفق الطرفان المتنازعان على ضرورة تكريمهم بإظهار علامة تشير إلى مكانهم ليكون ذلك حافزا على الثبات في اليقين والفداء للدين ، فالتكريم كان لمعنى الصبر في البلاء مع قلتهم ، فإنه كلما قل النصير كان الجهاد والصبر والبلاء المبين . تنازعوا أمرهم على جانبين ، فريق رأى أن يكون بنيانا يقام على قبورهم ، فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً كقباب أو نحو ذلك من الأبنية المعلمة ، وإذا كانوا قد تنازعوا في تكريمهم فهم ليسوا بأعلم بأمرهم من اللّه الذي حفظ أجسامهم فيها الحياة مع السكون على مر العصور ، ويظهر أن الذين اتجهوا إلى بقاء ذكرهم بالبناء كانوا ممن يتأثرون بالرومان في تخليد موتاهم بالبنيان والأحجار ؛ ولذلك اعترض القرآن الكريم على كلامهم بجملة معترضة ، فقال عزّ من قائل : رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ، أي أن ربهم الذي خلقهم ورباهم على التقوى والإيمان وأفرغ في قلوبهم الصبر أعلم بأمرهم من هؤلاء الذين يريدون أن يبنوا عليهم بنيانا فهو وحده العليم بما هو خليق ، وليسوا يكرمون بالبنيان إنما يكرمون بالجزاء الأوفى في الآخرة .