محمد أبو زهرة
4509
زهرة التفاسير
هذه صلة بعث أحدهم بالورق بالمدة التي لبثوها وتناقشوا حولها ، وقال بعض المفسرين : إن بعث أحدهم بالورق له صلة بالأمر الذي كانوا يناقشون فيه ، إذ كان سبيلا لفحص مدة الزمان وموقته عن طريق النقود المضروب عليها صورة الملك الذي ضربت في عهده ، بدليل الفاء التي تفيد ترتب ما بعدها على ما قبلها ، وعلى هذا الرأي لا تكون الفاء للإفصاح ، إنما تكون لمعنى السببية . بعثوا أحدهم ليبحث لهم عن غذاء يشتريه بهذا الورق الذي أعطوه ولينظر في غذاء طيب أزكى وأنمى لهم ؛ ولذا قال تعالى : فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً ، أي ليتخير ما هو أزكى نماء وأطيب طعاما ، والفاء عاطفة ، وكذلك الفاء في قوله تعالى : فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ والرزق القدر الذي يتبلغون به أو يكفيهم ، وقوله تعالى : أَيُّها الإشارة إلى المدينة ، والمعنى أي شئ في المدينة أَزْكى طَعاماً ، وأكثر مواد زكية نامية . وإنه يتعرف أطيب الأطعمة ، ويأتي بمقدار منها ، يكون فيه سد الرمق ، ويكون طيبا ، وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً ، أي ليجتهد في أن يتلطف في القول ، ولا يغلظ في المساومة حتى لا تعرفوا ، أو تفضحوا ؛ ولذا قالوا : وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً ، أي لا يأتي عملا من شأنه أن يجعلهم يشعرون بكم وقد فررتم خيفة من طغيانهم . وقد عللوا عدم شعور أحد بهم بقولهم : إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً ( 20 ) . هذه الجملة السامية مفصولة في البيان عن السابقة ؛ لأنها في مقام التعليل ، والتعليل بين جملتين من أسباب الفصل البياني بينهما ، وإلا فهما منفصلتان في المعنى ؛ إذ العلة متصلة بالمعلول ، إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ ، أي يطلعوا عليكم مستظهرين عليكم مستعلين بما معهم من قوة الحاكم الغاشم وجند وغيرهم ،