محمد أبو زهرة

4502

زهرة التفاسير

أحيانا ، وفي ذلك إشارة إلى أن واجب هذه الصلات أن يرشدوهم ويهدوهم ، وقالوا : ما يفعل هؤلاء ، اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ ، أي من غيره آلِهَةً ، يشيرون بذلك إلى أنها ليست آلهة ، ولكنهم عدّوها كذلك وليس لها أي قدرة على الخلق والتكوين ، ولا تنفع ولا تضر ، إنما هي أوهامهم التي زينت لهم أن لهم ألوهية على ما تصوره خيالاتهم ، والخالق المستحق للعبودية وحده هو اللّه الواحد القهار . وليس عندهم برهان يدل على استحقاقهم للألوهية ؛ ولذا قالوا : لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ ، أي هلا يأتون ببرهان قاطع منتج يدل على ألوهيتهم ، فالسلطان معناه البرهان الدال على هذه الألوهية التي ادعوها ، وعبدوها ، وهي لا تنفع ولا تضر ، فقام الدليل لمنع عبادتها ، ولم يقم برهان على جواز عبادتها إنما هي أوهام توهموها . ولقد أكدوا نفى الدليل بقولهم : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً الفاء للإفصاح ؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر ، وتقدير الكلام : إذا كانوا قد اتخذوها من غير برهان صحيح ، فقد ظلموا ، والاستفهام للنفي ، أي لا أحد أظلم ممن تعمد الكذب على اللّه ، بنسبة الشريك إليه سبحانه ، و كَذِباً مفعول افترى ، بمعنى قصد إلى الكذب ، أو نقول إن كَذِباً حال مؤكدة لمعنى الافتراء . وإنه إذا كان من كلام هؤلاء الفتية فهو تبكيت مقولهم ؛ لأنه لا دليل على الباطل المحال ، فهو لوم وتأنيب لهم ، ويقول تعالى : . . . أَ تُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ . . . ( 71 ) [ الأعراف ] فهي أسماء لا مسميات لها . وقد خاطبهم اللّه سبحانه وتعالى بالوحي والإلهام عندما كانت المفارقة الفكرية بينهم وبين قومهم ، واعتزالهم لهؤلاء الأقوام أن يجعلهم آية لمن بعدهم فألهمهم أن يأووا إلى الكهف ؛ ولذا قال تعالى : وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً ( 16 ) .