محمد أبو زهرة
4015
زهرة التفاسير
أولهم : الأرقاء والفقراء والأرذلون في معيشتهم في الدنيا ، الذين لا يملكون من أمرهم شيئا وفيهم ذلة لم يزيلوها بالإيمان . وثانيهم : الضعفاء في تفكيرهم الذين يرضون بأدنى فكرة ويتبعون غيرهم اتباعا من غير دليل ، بل في استكانة ، وإن كانوا أقوياء في مالهم فهم ضعفاء في نفوسهم . وثالثهم : الذين يتبعون القوة دون دليل . يقولون للذين استكبروا من الكبراء ذوى الوجاهة والقيادة في الضلال : إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً ، وتبع جمع تابع ، أو مصدر نعت به ، ويكون معنى التعبير هو الإيغال في التبعية كأنهم لا وجود لهم فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ الفاء تدل على أن ما بعدها سبب لما قبلها ، أي بسبب هذه التبعية هل أنتم مغنون عنا عذابا من عذاب اللّه من شئ مِنْ الأولى للتبعيض ، ومن الثانية للاستغراق ، والاستفهام إنكاري لإنكار الوقوع ، أي لستم مغنون عنا بأي قدر من عذاب . أجاب الذين استكبروا عن الحق ، فقد أجابوا عن هذا الاستفهام الإنكارى ، الذي لا يخلو من معنى التوبيخ والملامة حيث لا لوم قائلين : لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ ، والمعنى أننا على سواء ، لو هدانا اللّه إلى الحق لهديناكم إليه ولكنا ضللنا فضللتم ، وإنكم إذ كنتم تبعا لنا فارتضوا بما وقع لنا ، ولا يخلو هذا الكلام من إلقاء اللوم عليهم في التبعية من غير تفكير وتبرير ، وكأنهم يشيرون إليهم إلى أنهم كان عليهم أن يتبعوا عن بينة . ثم يقولون لهم : إننا وقد وقعنا في الضلال علينا أن نذوق مغبتها طائعين ؛ لأننا مجبرون ، وفي آية أخرى صرح الكبراء فقالوا : . . . فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ( 39 ) [ الأعراف ] .