محمد أبو زهرة

4010

زهرة التفاسير

يطلبون الماء فيجابون ، ولكن سقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم ، وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوى الوجوه ، فإذا استسقوا جاءهم ماء ، هو صديد يجتمع فيه قبح ذاته وحرارته ، وأنه يقطع الأمعاء ، ولكنهم مع ذلك يشربونه لأنهم عدموا الري ، فلا رى سواه يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ أن يحاول شربه بأن يتجرعه جرعة جرعة ولا يطيق أن يشربه شربا مع رغبته في الماء وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ يقال : ساغه ، أي شربه مستطيبا له مسيغا له ، أي مرّ في حلقه بسهولة ، وكذلك أساغ ، أو نقول : أساغه حاول أن يجعله يمر في الحلق سائغا ولا يكاد يستطيع ذلك ، فقد اجتمع فيه ما ذكرنا من قبح الذات والمنظر والحرارة وشأنه ليس بمرىء ، وقد وصف اللّه تعالى حالهم ، فقال : وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ فالموت يأتيه من فوقه ، ومن تحته ، ويقول بعض الصالحين ناقلا عن المأثور : إنه لا يبقى عضو من أعضائه إلا وكّل به نوع من العذاب لو مات سبعين مرة لكان أهون عليه من نوع منها ، أي أن أسباب الموت تتضافر عليه فلا يموت ، وإنه كما قال تعالى : ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى ( 13 ) [ الأعلى ] ، فهي حياة هي الفناء ، بل إنه لو كان الفناء لكان خلاصها . وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ أما بعد تلك الحياة الشديدة الغليظة التي لا تفنى ، ولا تبقى ، من بعدها عذاب شديد غَلِيظٌ يجمع بين صفتين : الشدة والغلظ ، فيكون أقسى العذاب ؛ لأنهم تمتعوا بالشر والأذى والاستكبار فكان ذلك العذاب جزاء وفاقا لما قدموا . وقد بين اللّه تعالى مع ذلك أن ما يفعلون من نفع في الدنيا لأنه ينقصه الإيمان ، يذهب هباء ، فقال عزّ من قائل : مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ ( 18 ) .