محمد أبو زهرة

4003

زهرة التفاسير

لهم بالنتيجة ؛ لأنه لا تلازم بين التماثل بينهم وبين غيرهم في البشرية ومنع الرسالة ؛ ولذا قال : وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ، فالاستدراك استدراك من النتيجة التي رتبوها في زعمهم وقد عدوا هذه النبوة منّا من اللّه تعالى على الذين اختارهم من صفوة عباده سبحانه وتعالى : . . . اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ . . . ( 124 ) [ الأنعام ] ، وقد قالوا : إنه من اللّه تواضعا ، وتبرئة لأنفسهم من أن يعتقدوا أن لهم فضلا على الناس إلا ما اختصهم اللّه تعالى به من الرسالة منّا وفضلا ، وما كان ذلك إلا لحكمة قدرها ، أو كان فيهم بإرادة اللّه ، فهو أوجد فيهم من المزايا ما يجعلهم أكثر من البشرية المطلقة التي يتصف بها العاصي والطائع ، والرسول ومن أرسل إليهم . أما كلامهم الثاني في أمر المعجزة فقد طلبوا نعتا ولجاجة معجزة اختاروها ، وأعلنوا أن لن يؤمنوا إلا إذا جاءتهم هذه الآية ، كما فعلوا مع النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقد ردوا زعمهم هذا بقولهم : وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ، أي ما ساغ لنا ولا جاز أن نأتيكم بآية غير ما جئنا به إلا بإذن اللّه تعالى ، فهو الذي منّ علينا من بين عباده بالنبوة ، وهو الذي اختار لنا الآية الدالة على رسالتنا كشأن كل رسالة من غائب لحاضر ، أن الغائب هو الذي يختار الإشارة الدالة على أنه مبعوث من قبله ، وقد اختار ذلك السلطان ، فلا مناص لنا منه إلا أن يمن علينا بسلطان غير ما أعطانا ، وإذا كنتم مستمرين على معارضتكم ، ومقاومتكم ، وإعناتكم وإيذائكم ، فنحن قد بلغنا وفي سبيل البلاغ لا حامى لنا إلا اللّه تعالى ؛ ولذا قالوا : . . . عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا . . . ( 89 ) [ الأعراف ] ، أي إذا كنتم تعتمدون في معاندتكم وإعناتكم على قوة لكم تحسبونها ، فنحن متوكلون على اللّه يحمينا من إيذائكم ، وقدم الجار والمجرور . . . عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا . . . ( 89 ) ؛ لبيان أنهم لا يعتمدون إلا عليه ، وأنه فوق كل الأقوياء ، وأمروا المؤمنين الذين يؤذيهم المشركون ويسخرون منهم بأن يتوكلوا على اللّه ، ويصبروا فإنه لا محالة ينجيهم من إيذائهم وستكون كلمة اللّه هي العليا ، وهو العزيز ، ولذا قال تعالى : وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ، وقدم الجار والمجرور للدلالة على أنه لا يعتمد إلا عليه سبحانه ،