محمد أبو زهرة
3997
زهرة التفاسير
والمعنى في الجملة : قد أتاكم الخبر الخطير الشأن قوم نوح إلى آخره ، وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ ومن هم الذين من بعد هؤلاء ، ولا يعلم مآلهم إلا اللّه تعالى . أحسب أن المراد بهم أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم الذين كفروا برسالته ، ويعاندون فيها ، ويؤذون المؤمنين ، ويسفهون قول الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ويصرون على عبادة الأوثان . ويكون قوله تعالى : وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ تهديد لهم ، وحمل لهم على المقايسة بينهم وبين غيرهم ، فإذا كان نبأ الغابرين هلاكهم ، فليقيسوا حالهم على حال أولئك الغابرين . وقد حكى سبحانه ما كان بين الرسل السابقين وأقوامهم ، فقال عزّ من قائل : جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ، أي بالأدلة المبينة الهادية المرشدة التي لا يدخلها امتراء فلم يجيبوا . وعبر اللّه سبحانه وتعالى عن امتناعهم عن الإيمان بقوله تعالى : فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ كانت حالهم تجيب بأن ردوا أيديهم في أفواههم وقالوا . . . . وقد تكلم الزمخشري في قوله تعالى : فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ فذكر عدة احتمالات مجازية لمعنى هذا التعبير القرآني الكريم ولم يعين واحدا ، فقال : فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ يعضوها غيظا وضجرا مما جاء به الرسل ، كقوله تعالى : . . . عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ . . . ( 119 ) [ آل عمران ] ، أو ضحكا واستهزاء ، كمن غلب عليه الضحك فوضع يده على فيه ، أو أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم من قولهم : إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وهذا قول قوى ، أو وضعوها على أفواههم يقولون للأنبياء أطبقوا أفواهكم واسكتوا ، أو ردوها في أفواه الأنبياء يشيرون لهم إلى السكوت يسكتونهم ولا يذرونهم يتكلمون ، وقيل : الأيدي جمع يد ، وهي النعمة بمعنى الأيادى أي ردوا نعم الأنبياء التي هي أجل النعم من مواعظهم ونصائحهم وما أوحى إليهم من الشرائع والآيات في أفواههم ؛ لأنهم إذا