محمد أبو زهرة
3990
زهرة التفاسير
في الآية السابقة ذكر سبحانه وتعالى أنه لا يرسل رسولا إلا بلغة قومه ليخرجهم من الظلمات إلى النور ، ويبين لهم فيضل من يضل ، ويهتدى من يهتدى ، وفي هذه الآية وما يليها من آيات يبين اللّه أخبار نبي من أولى العزم بعث في قومه ، وغيرهم ليخرجهم من الظلمات إلى النور ، ويذكرهم بأيام اللّه تعالى من وقائع من نزلت بمن سبقهم من الأمم ، وما نزل بهم هم من نعم ، وهو موسى عليه السّلام ، وقد أخرج اللّه على يدي موسى بني إسرائيل قومه من فرعون وظهرت آياته فيهم ، ومع ذلك ضلوا من بعده ، وفي حياته . قال تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ أكد اللّه تعالى إرسال موسى إلى قومه ب ( اللام ) وب ( قد ) ، وقومه أهم بنو إسرائيل وحدهم أم قوم موسى كل من أرسل إليهم ؟ ظاهر القول بادئ الأمر أنهم بنو إسرائيل ؛ لأنهم قومه وجنسه أو قبيله ، ولكن موسى لم يرسل لبنى إسرائيل وحدهم ، إنما أرسل إلى سكان مصر وفيهم فرعون ، وقد قال تعالى في رسالة موسى وأخيه هارون : اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى ( 43 ) فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى ( 44 ) قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى ( 45 ) قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى ( 46 ) [ طه ] . وهذه تدل على أنه بعث لمصر كلها ، لا لبنى إسرائيل وحدهم ، وإن كانت فضائل الرسالة عادت على بني إسرائيل بالنعمة والإنقاذ ابتداء ، والهداية للجميع كانت المقصد في نهاية الرسالة وغايتها وقال تعالى : وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ . وردت أخبار من السلف بأن أيام اللّه ، الوقائع التي انتصر اللّه فيها لكلمة الحق والإيمان ، كما نزل بقوم نوح ، وقوم هود ، وقوم صالح ، وقوم لوط ، وآل مدين ؛ وذلك لأن كلمة ( أيام ) تطلق في التاريخ العربي على الحروب التي كانت لها دوى في العرب كحرب « ذي قار » الذي انتصر فيها العرب على فارس ، وكحرب « الفجار » ، وكحرب « عبس وذبيان » ، وكحرب « البسوس » ، إلى غير ذلك من الأيام الشداد .