محمد أبو زهرة

3984

زهرة التفاسير

ثانيا أنه يختارها على الحياة الدنيا ، ويترك الآخرة تركا ، كما يترك كل مهجور ، ولقد قال في ذلك الزمخشري : « هم الذين يستحبون ، والاستحباب : الإيثار والاختيار ، وهو استفعال من المحبة ؛ لأن المؤثر للشئ على غيره كأنه يطلب منه نفسه أن يكون أحب إليه وأفضل عنده من الآخرة » . والصفة الثانية : أنهم لا يكتفون بإيثارهم الدنيا على الآخرة ، بل يصدون عن سبيل اللّه ، أي يقفون مترصدين السبيل يصدون عنها بمنع الناس منها ، وقرأ الحسن البصري وَيَصُدُّونَ بضم الياء وكسر الصاد ، والمعنى أنهم أعرضوا عن سبيل اللّه ، وحملوا غيرهم على الإعراض عن سبيل اللّه تعالى ، وذلك بالجمع بين القراءتين ، وصدهم عن سبيل اللّه بالدعوة إلى عدم الدخول ، كما كان يذهب أبو لهب إلى حيث النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى القبائل يكذّب النبي صلى اللّه عليه وسلم ويدعوهم إلى الإعراض أو عدم الاستماع ، وأشد الصد عن سبيل اللّه إيذاء المتبعين لسبيل اللّه وتعذيبهم ليحملوهم على الردة عن دينهم ، وسبيل اللّه هو صراط العزيز الحميد ، وهو طريق الحق والهداية وتوحيد اللّه تعالى . والصفة الثالثة : أنهم يبغونها عوجا ، أي يطلبونها راغبين ملحفين أن تكون معوجة غير مستقيمة ، بل يطلبونها ناكبة عن الطريق غير سالكة سواء السبيل ، يبغونها زيفا ويطلبون الاعوجاج كما كانوا يريدون محمدا صلى اللّه عليه وسلم أن يكون عن سب آلهتهم ويدعونه إلى اتباع آبائهم ، وكأنه جاء ليردد ما عندهم ، لا ليهديهم ويرشدهم إلى الطريق الأقوم . ولقد بين سبحانه بعد ذلك الوصف الجامع لهم ، ولذي سيطر عليهم فقال : أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ الإشارة إليهم محمّلين بهذه الأوصاف التي استحبوا بها الحياة الدنيا وصارت خلب أكبادهم وآثروها على الحياة الآخرة ، ورضوا بالدنية عن الحياة العزيزة الكريمة في الآخرة ، وصدوا عن سبيل اللّه وبغوا الحق معوجا غير مستقيم أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ .