محمد أبو زهرة
3970
زهرة التفاسير
الكافرين جزاء كفرهم يكون بأحد أمرين ، إما اجتثاثهم من الأرض ، وأخذهم من حيث لا يحتسبون بريح عاصف أو بخسف يجعل عالي ديارهم سافلها ، أو بطرق يحيط بهم فلا يبقى ولا يذر ، وحيث لا يكون من أصلابهم من يعبد الله ، وقد أوقع الله تعالى هذا بالذين بعث فيهم الأنبياء قبل النبي صلى اللّه عليه وسلم من نوح وهود ، وصالح ، وشعيب . والأمر الثاني : أن يكون ذلك بالمغالبة ، يقاتلون ، فيقتلون ، ويقتلون ، والعاقبة للمتقين ، وإن ما نزل بمشركى مكة ، واليهود كان من الثاني لا من الأول ، لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إني لأرجو أن يكون من أصلابهم من يؤمن بالله واليوم الآخر » . ويقول تعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها الاستفهام إنكاري لإنكار الوقوع بمعنى النفي ، ونفى النفي إثبات ، فالاستفهام الإنكارى داخل على « لم » والمعنى التنبيه على ما هو واقع بهم ، والواقع أنهم يرون أن الله أتى الأرض ينقصها من أطرافها عليهم ، وإسناد الإتيان للأرض إلى الله تعالى للدلالة على أن الله تعالى مع جيش المسلمين الذي يأتي الأرض التي لهم النفوذ ، والسلطان فيها ، ويتلاقون مع سكانهم في الشرك الذي يجمعهم و نَنْقُصُها نأخذها جزءا فجزءا من دائرة الكفر ، حتى تضيق حوزتهم ، وتضيق الدائرة عليهم شيئا فشيئا حتى يحيط بهم ، ويصلح الرسل من الأرض ، وكذلك كان الأمر ، فقد كانت الغزوات والسرايا تنزل بالمشركين ، وقد ذهبت إلى ما حول مكة وأطراف الجزيرة داعية إلى الله تعالى مجاهدة ، فكانت الأرض تنقص من نفوذهم من أطرافها ، بسببين : أولهما : وهو أن دعوة الإسلام تدخل إلى قلوبهم من يسرى إليهم ثلة من جنود المسلمين ، وفي ذلك نقص من سلطانهم ، وخروج من نفوذ مكة وأهلها . ثانيهما : أنه يقتل من المشركين عدد ، وإن لم يكن كثيرا ، إلا أنه يبعدهم عن مكة وأهلها .