محمد أبو زهرة
3968
زهرة التفاسير
يشاء ، وعنده أم الكتاب الأصل الذي لا يمحى ، ولا يقبل المحو ، وهو التوحيد ، فشرائع النبيين ينسخ بعضها بعضا ، ولكن الأصل قائم ، وهو أم الكتاب ، أي الشرع المكتوب المقرر في كل الشرائع ، وهو التوحيد ، كما قال تعالى : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ . . . ( 13 ) [ الشورى ] . وإن هذا يتسق مع قوله تعالى : وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ . ولقد قال الزمخشري في هذا المعنى : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ ، ينسخ ما يستصوب نسخه ، ويثبت بدله ما يرى المصلحة في إثباته أو يتركه غير منسوخ ، ويسوق أقوالا أخر . وإنا نرى أن هذين الوجهين كافيان في البيان ، ويمكن الجمع بينهما بأن يكون المحو ، بإلغاء آيات مادية ، والإثبات إثبات أخرى ، وأن تكون الشرائع السماوية التي جاءت بها الرسل ، ينسخ بعضها بعضا ، ولكن يبقى الأصل القائم وهو أم الكتاب ، وهو التوحيد ، والعدل ، وإقامة الحق ، والإصلاح في الأرض . وقد قال الفخر الرازي في التفسير الكبير ما نصه : « العرب تسمى كل ما يجرى مجرى الأصل للشئ أما له ، ومنه أم الرأس للدماغ ، وأم القرى لمكة ، وكل مدينة فهي أم لما حولها من القرى فكذلك أم الكتاب هو الذي يكون أصلا لجميع الكتب » . وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ ( 40 ) . إن الشرطية مدغمة في تاء الدالة على توكيد التعليق ، وليست زائدة ، كما يعبر بعض النحويين ، فليس في القرآن زائد ، وإنما الزائد في إعرابهم ، وفعل الشرط هو نرينك ، أو نتوفينك ، والمعنى إما أن نريك بعض الذي نعدهم من أهوال