محمد أبو زهرة

3957

زهرة التفاسير

فمعنى قام ليس ضد القعود ، وإنما معناه القيام على شؤون الأنفس ، والعلم بها ، كما قال تعالى : . . . هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ . . . ( 255 ) [ البقرة ] ، وعبر عن القيام بهذه المعاني ؛ لأن القيام يدل على الحركة ، والحركة تدل على معاناة الأعمال خيرها وشرها ، وهو بالنسبة لله تعالى القيام على شؤون هذا الوجود ، وهو هنا الأنفس . وذكر الله تعالى كل نفس للدلالة على عموم تدبيره للأنفس ، والعلم بما تفعل من خير وشر ، وقوله تعالى : بِما كَسَبَتْ يتضمن العلم بكل ما تصنع النفوس العاملة ، والجزاء على ما تفعل ، وفي ذلك بعضها لإنذار العصاة ، كما قال تعالى : سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ ( 10 ) لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ . . . ( 11 ) . وقوله تعالى : أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ ، لتمام الموازنة تكون التسوية مقتضية محذوفا مقدرا تقديره كيلا يستطيع شيئا ، ولا يقوم على شئ ولا يضر ولا ينفع . وقد أشار سبحانه وتعالى إلى ضلالهم في عبادة الأوثان ، فقال تعالى : وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ ، وهذه الجملة حالية ، والحال أنهم جعلوا لله شركاء يشركونه في العبادة مع أنها لا تنفع ولا تضر ، ومع أن ذاته العلية جلت عن المشاركة ، وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ، أمر الله تعالى نبيه الكريم أن يسألهم عن حقيقتها ، ولكنها من بيان الكنه والحقيقة يتبين بطلان ما يعتقدون قال تعالى : قُلْ سَمُّوهُمْ عبر عنهم بضمير ما يفعل على حسب زعمهم وأوهامهم ، وإلا فهي حجارة لا تضر ولا تنفع ، ولا تعقل ولا تدرك . سَمُّوهُمْ ، أي اذكروا أسماءهم ، وأوصافهم ، أي شئ لهم من الأسماء والصفات ، وإنهم إذا جاءوا إلى ذلك ، قالوا : إنها أحجار سميت اللات أو العزى أو هبل ، أو نحو ذلك من الصفات التي تجعلها دونهم ، فكيف يعبدون ما هي دونهم أو لا وجود لها في حقيقة أمرها ، إلا أن تكون أحجارا ، لا تنطق ولا تضر ، ولا تنفع .