محمد أبو زهرة

3955

زهرة التفاسير

أنهم لا ينظرون للأمر نظرة من يجد ولا يهزل ، ويدل على سيطرة العبث العابث ، واللهو الماجن على نفوسهم ، وهذه حال تحير الداعي إلى الحق من أين يحملهم على أن ينظروا جادين غير عابثين ، ولا مازحين . ولقد أكد الله استهزاء السابقين برسلهم ، باللام ، وقد ساق الله تعالى ذلك لنبيه ليتسلى عن إعراضهم واستهزائهم ولئلا يذهب به اليأس من قومه ، وألا يرجو الانتصار منهم ، فقد استمر الاستهزاء وأملى لهم ، أي أعطاهم ملاوة من الزمن ، حتى ظنوا أنه لا عاقبة مؤلمة تنتظرهم ؛ ولذا قال تعالى : فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ . أمليت كما ذكرنا أعطيتهم ملاوة من الزمن إمهالا لهم من غير إهمال لاستهزائهم ، وسخريتهم من الحق ، والفاء لبيان أن ما بعدها مسبب عما قبلها ، والمعنى كان استهزاؤهم سببا للإملاء لهم ، حتى يأخذهم ، وهم لا يتوقعون ، مثل قوله تعالى : وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ( 183 ) [ الأعراف ] . وثمّ للدلالة على التراخي ، أي أنه أمد لهم أمدا غير قصير ، حتى ظنوا أنه لا مؤاخذة على ما يفعلون ، وغرهم الغرور ، وحسبوا أن الدنيا قد طابت لهم بحذافيرها ، ثم أخذتهم ، أي أشعرتهم بسلطانى ، وأنى أمهل ولا أهمل والأخذ كناية عن الإشعار بالسلطان ؛ لأن الأخذ يتضمن أنهم صاروا غير خارجين عن سلطانه ؛ لأن الأخذ أقصى ما يدل على التمكن ، وأن يكونوا في قبضته يصرفهم كيف يشاء ، وذكر الله تعالى عقابه فقال : فَكَيْفَ كانَ عِقابِ ياء المتكلم محذوفة على وجود ما يدل عليها ، والمحذوف مع وجود ما يدل عليه يكون كالمذكور ، بل إن تقديره بجهله مذكور ، لم يبين الله سبحانه وتعالى العقاب ، ولكن أشار إليه إشارة تدل على هوله ، وعلى أنه كان حاسما قاطعا فمن غرق ، أو جعل الأرض سافلها ، ومن ريح صرصر عاتية ، ولقد قال تعالى : وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ ( 48 ) [ الحج ] .