محمد أبو زهرة
3945
زهرة التفاسير
وقد قال الزمخشري في الكشاف في قوله تعالى : يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ قال ما خلاصته : كيف كان قوله يضل من يشاء ويهدى إليه من أناب ردا لقولهم : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ؟ فأجاب بأن قوله تعالى يضل من يشاء ويهدى إليه من أناب كلام جار مجرى التعجب من قولهم ؛ وذلك لأن الآيات الباهرة المتكاثرة التي أوتيها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يؤتها نبي قبله ، وكفى بالقرآن وحده آية ، وراء كل آية ، فإن جحدوها ولم يعتبروا بها وجعلوه كأن آية لم تنزل عليه قط ، كان موضعا للتعجب والاستنكار ، فكأنه قيل لهم ما أعظم عنادكم ، وما أشد تصميمكم على كفركم ، إن اللّه يضل من يشاء ممن كان على صفتكم من التصميم وشدة الشكيمة ، فلا سبيل إلى اهتدائكم وإن نزلت كل آية « 1 » . وإن ذلك بيان يليق بمقام الزمخشري في البيان ، وإدراك ملامح القول ، وهو لا ينافي ما بينا من قبل ، وإن زاد معنى التعجب من صلابة تفهم . وأناب في قوله تعالى : وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ معناها : أقبل إلى الحق ، ودخل في توبة الخير ؛ لأن أناب معناها اللغوي دخل في التوبة ، والمناسب هنا دخوله في توبة الخير . وقد بين اللّه تعالى الذين أنابوا من الاطمئنان والإيمان فقال : الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ( 28 ) . الَّذِينَ آمَنُوا بدل أو بيان لقوله تعالى في الآية السابقة : وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ ، فهي بدل من قوله : مَنْ أَنابَ ، وعلى ذلك يكون محل الَّذِينَ آمَنُوا ، النصب ؛ لأن مِنْ محلها النصب ، على أنها مفعول به ل يَهْدِي ، ويكون قوله تعالى : وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ الفعل تَطْمَئِنُّ يكون معطوفا على يَهْدِي ، ويكون الفعل المضارع معطوفا على مثله ، وليس في الكلام السامي عطف مضارع على ماض .
--> ( 1 ) المرجع السابق .