محمد أبو زهرة

3942

زهرة التفاسير

قال تعالت كلماته : اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ ( 26 ) . صدّر سبحانه وتعالى الآية الكريمة بلفظ الجلالة الذي يطالبهم اللّه تعالى بعبادته وحده من غير أن يشركوا به شيئا ، ويبين سبحانه أنه هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ، أي يمده ويجعله ممدودا واسعا ، ويقدره لمن يشاء أي يجعله محدودا قليلا ، كقوله تعالى : . . . وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها . . . ( 7 ) [ الطلاق ] . والمعنى في تصدير الآية بلفظ الجلالة هو أن اللّه تعالى هو الذي بسط لكم الرزق ، فكان حقا عليكم أن تشكروا لا أن تكفروا وتشركوا أحجارا . وهو الذي قدر الرزق للضعفاء والفقراء فصبروا فحق لهم التكريم وحسن الجزاء ، ولا يستوى المحسن والمسىء ، ولا الأعمى والبصير . وإن اللّه الذي بسط الرزق وقدره لم يجعل أمر الدنيا في السعة والضيق دليلا على الرضا أو البغض إنما هذا للاختيار ، فهو سبحانه وتعالى يختبرنا بالتوسعة ويطالب بالشكر ، ويختبر بالقدر والضيق ويطالب بالصبر ، وكل له جزاؤه . وإن أولئك المشركين بسط اللّه تعالى لهم في الرزق فلم يشكروا ؛ ولأن الشكر يقتضى أن يحسوا بفضل المنعم ، لا أن يحس فقط بالاستمتاع بما أعطى ، والاستطالة به على الناس وإن ذلك ينشأ من الفرح ببسط الرزق ، لا ينشأ من القيام بحق الشكر ؛ لأن إحساس المؤمن بأنها ابتلاء ، كما قال تعالى : . . . وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً . . . ( 35 ) [ الأنبياء ] ، وإحساس الكافر بأنها متعة ينتهزها . ولقد قال في ذلك : وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا أي إن الكافرين فرحوا بما بسط اللّه تعالى من الدنيا ، ففرحوا بها فرحا أدى إلى أن بطروا معيشتهم ، وغمطوا الناس حقوقهم ، وإن فرحهم بالحياة الدنيا لم يكن فرحا يذوقون حلوها ومرها ، بل فرح استعلاء واستغواء لا يلاحظون إلا أنها متعتهم يستكبرون بها على غيرهم ،