محمد أبو زهرة
3439
زهرة التفاسير
وفي الكلام السامي إظهار في موضع الإضمار ؛ لأنه سبحانه وتعالى قال عزّ من قائل : وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ولم يقل - ولكلامه المثل الأعلى - « وستردون إليه » وذلك للإشارة إلى أن الأمر سيرجع إلى من لا تخفى عليه خافية في السماء والأرض ، والغيب ما غاب عن الحس ، أو ما أخفته الصدور ، وما أسروه في نفوسهم ، فهو يعلم خائنة الأعين ، وما تخفى الصدور ، والشهادة هي الأمر المعلن الذي تشاهده الجوارح مبصرة أو سامعة ، أو باطنة ، يعلم سبحانه كل شئ ما يسر وما يعلن ، وما يظهر وما يختفى ، سبحانه علام الغيوب . وقد أشار سبحانه وتعالى إلى الجزاء الواقع لا محالة فقال تعالت كلماته : فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( الفاء ) للإفصاح عن شرط مقدر ، أي إذا كنتم ستردون إليه سبحانه فإنه ينبئكم أي يخبركم إخبار فعل وجزاء بما كنتم تعملون ، فترون أعمالكم عيانا ، تنطق بها جوارحكم ، وكتابا منشورا قد سجل كل ما عملتم ، لا يدع صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، فتجزى كل نفس بما كسبت . وإن هذا فيه تبشير للمؤمن ، وإنذار للمشرك والمنافق ، وأعمالهم كلها في كتاب . وقد فتح اللّه سبحانه وتعالى باب التوبة لمن تخلف ، وعصا ، بعد ذلك ذكر أناس ممن تخلفوا لم يكتب عليهم الشقوة بل لا يزال الباب مفتوحا للتوبة ، فإما يتوبون ، وإما يعذبهم اللّه على نفاقهم وتخلفهم ، فقال تعالى : وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 106 ) . ذكرنا أن الذين دعوا إلى الخروج إلى الغزوة التي كانت فتحا للطريق إلى بلاد الشام وما وراءها من الأرض التي كان الروم يسيطرون عليها ، وأشرنا إلى أنه كان فيهم السابقون إلى المكرمات المهاجرون والأنصار ، وكان فيهم المنافقون