محمد أبو زهرة
3415
زهرة التفاسير
يستطيعون الإنفاق ويجدون ما يركبون ويقطعون به الفيافي والقفار ، وكلمة ( السبيل ) في البيان القرآني تطلق على الطريق للمؤاخذة ، ثم العقاب من بعدها كما تقدم في قوله تعالى : ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وأن مؤدى هذا التعبير بيان أن ما يرتكبون سينتهى بهم لا محالة إلى عقاب شديد . والقصر هنا إضافى ؛ لأنه في مقابل أنه لا سبيل على الضعفاء ، الذين سبق بيانهم ، فالسبيل خاص بالذين يستأذنون وهم أغنياء . وقوله تعالى : رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ هذه جملة مستأنفة لبيان سبب تخلفهم ، وهو رضاهم بالمهانة والمذلة والاحتقار ، إذ رضوا بأن يكونوا من الخوالف ، وهن القواعد من النساء اللاتي لا يقاتلن ، اللائي يعبر عنهن بربات الخدور ، والخوالف أيضا الأشياء الفاسدة التي ترسب في الإناء بعد تفريغه . وقد ذكر سبحانه وتعالى السبب في هذا الرضا الذي لا يرضى به عربى سليم في إدراكه لمعنى المروءة والكرامة ، فقال تعالى : وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ أي أنه بتوالي نفاقهم ، وسيطرة الأحقاد على قلوبهم ، ونسيانهم ما توجبه المروءة والأخلاق والكرامة والعزة ، قد طبع اللّه تعالى على قلوبهم ، وختمها على ما فيها من مفاسد نفسية وفكرية ، فهم لا يعلمون الخير من الشر وما تكون عاقبته وبالا وما لا تكون ، لا يعرفون أنه إذا نزلت نازلة الهزيمة أمام الرومان تكون على العرب وفيهم المنافقون ، لا فاصل بين البريء والسقيم . وإن دأب هؤلاء الذين يعتذرون عن مواقف الشدة بغير عذر أو بعذر كاذب أن يحسبوا أن كل كلام يقبل ، سواء أكان مقبولا أم كان غير مقبول ، فكانوا يفعلون ما يفعلون ، ويحسبون أن النبي صلى اللّه عليه وسلم يقبل معاذيرهم الكاذبة ، وإن فساد قلوبهم وعقولهم يجعلهم يتصورون أن طيّب القلب يقبل كل ما يدلون به ، ولذلك أكثروا من الاعتذار عما يفعلون ، كما يكثرون من الاعتذار عن النفور إلى الجهاد ،