محمد أبو زهرة

3913

زهرة التفاسير

بيّن اللّه سبحانه في الآيات السابقة ما يسير الإنسان ، وعلم اللّه المحيط الذي يشتمل ما يظهر وما يختفى ، والمعقبات التي تحفظ وتحصى ولا ترى . ثم بين سبحانه وتعالى ما يرى وما يسمع ، وما يحرق ، واللّه مسيّره ، وموجهه ، بحيث ترى آثاره ، ولا يكون من الإنسان تفاعله ، بل يتولى أمره رب العالمين ، فقال تعالى : هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً الضمير يعود على اللّه تعالى الذي يكون الحفظ من أمره ، ومن كل ما يقدره ، فهو الذي يرينا البرق حالة كوننا خائفين من منظره ، ومن عاقبته ، طامعين في أن يعقبه مطر يكون غيثا ، وخائفين من أن يكون غيثا مدمرا مفسدا . والبرق ينشأ عند اصطدام سحابتين بعضهما ببعض فيحدث من الاصطدام النور البارق . ويقول علم خواص الأجسام : إن إحدى السحابتين تكون ذات كهرباء موجبة ، والأخرى ذات كهرباء سالبة ، فيحدث من احتكاكهما برق ، ويكون معه الرعد ، بيد أن الرعد لا يصل إلى الأسماع إلا بعد فترة من رؤية البرق ؛ لأن الرعد صوت الاصطدام والبرق صوته ، ولكي يصل الصوت إلينا يمر بأجواء الفضاء فلا يصل إلى مسامعنا إلا بعد فترة يقطع فيها مروره ، والصواعق إذا كانت أحيانا من هذا الاصطدام تكون مع البرق في فترة واحدة تقريبا . وهذه الآية تبين رؤية البرق ، والتي تليها تبين سماع هزيم الرعد ، والثالثة تبين إصابة اللّه تعالى بالصواعق لمن يشاء . ولقد ذكر سبحانه في الآية الأولى أنه يرى الناس البرق خائفين طامعين ، وذكر بعد البرق السحاب المملوء ماء ، فقال سبحانه : وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ السحاب اسم جنس جمعى لسحابة ، واسم الجنس الجمعي هو الذي يفرق بينه وبين مفرده بالتاء أو ياء النسب ، مثل شجر وشجرة ، ومثل عرب وعربى ، فمفرده كما رأيت سحابة ، والثقال جمع ثقيلة ، وعبر سبحانه وتعالى بالنسبة للسحاب بأنه أنشأها ، ولم يقل سيّرها ؛ لأن اللّه تعالى يشير بذلك إلى رحمته بالناس ، أي أن ماء البحر الملح يتبخر ثم يتكاثف ماء عذبا ، يثيره سبحانه وتعالى سحابا مملوء بالماء ، فبين أنها ثقالا لما تحمله من هذا الماء العذب الفرات ، ويرسلها لمن يشاء من