محمد أبو زهرة

3909

زهرة التفاسير

بين اللّه تعالى في الآيتين السابقتين علم اللّه تعالى بالغائب والحاضر علما واحدا ، وعلم الإسرار والجهر علما واحدا ، لا فرق في علمه بين إسرار النفوس وجهار الألسنة ، وأنه يعلم المستخفى في ظلام الليل كعلم السارب بالنهار على حد سواء ، وفي هذه الآية : لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ الآية تبين أن علم اللّه تعالى يحيط بالحسنات والسيئات ، ويحفظ الإنسان في حياته ما دام حيا ، وكلّ بأمره ، ويعرف حاضر أمره وقابله وتفسير أحواله وأسباب التغير كلّ في علم اللّه تعالى وكل بإرادته ، فالمستغرق في ضلاله يعلمه ويغير ما به إذا غير ما بنفسه ؛ ولذا قال تعالى : لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ « المعقبات » جمع معقبة ، والتاء للمبالغة مثل علّامة وفهامة ، فإنها تدل على المبالغة في العلم والفهم ، ومثل رحالة ونسابة ، فإنها تدل على كثرة الرحلة ، ودقة العلم في النسب . والمعنى تعقبه فهي تكون ملازمة له محتذية عقبه لا تختلف عنه ، والضمير يعود إلى الإنسان المتحدث عنه في قوله تعالى : سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ ( 10 ) فكما أن اللّه تعالى يعلم سره وجهره ، واستخفاءه وظهوره ، قد أحاطه بمعقبات من بين يديه ومن خلفه يحيطون به إحاطة الدائرة بقطرها ، وهم من الملائكة يحصون عليه ما يفعل من خير وشر ، ويكتبون ما يفعل من حسنات وسيئات ، ولقد قال تعالى : إنها مع هذه الإحاطة الشاملة به وأنهم يعدون عليه سيئاته وحسناته ، مع هذا فإن عمل هؤلاء الملائكة أنهم يحفظونه من أمر اللّه تعالى ، ويقول الزمخشري : إن قوله تعالى : يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ صفتان ، أي بعد مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ . وتقدير الصفة الأولى ، أي أن هذه المعقبات ( تحفظه ) ، وقوله : مِنْ أَمْرِ اللَّهِ صفة ثانية أي يحفظونه لأنه أمرهم بذلك ، وكلفهم الحفظ وصيانته ، وقال الزمخشري : إنه يؤيد لذلك قراءة ( يحفظونه بأمر اللّه ) فهم مكلفون الحفظ بأمر اللّه تعالى .