محمد أبو زهرة

3907

زهرة التفاسير

للحاضر والغائب ، وما يسرّ به الإنسان وما يجهر ، وما يستخفى ويظهر ، فقال تعالت كلماته : عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ ( 9 ) . هو تأكيد ما تضمنته الآية السابقة من علمه بما في الأرحام منذ وجودها فيها ومكنونها ، وأدوارها ، وقابلها ، وكان التأكيد بذكر عموم علمه للغائب والحاضر ، والغيب مصدر غاب ، وأطلق على ما يغيب حتى اشتهر ، فيه مبالغة في غيبه عن الرؤية والحس ، والشهادة من شهد بمعنى حضر ، ثم أطلقت على ما هو حاضر محسوس ، مبالغة في حضوره والحس به ، والمعنى : عالم بما يغيب عن الحس ، وما هو محسوس حاضر ، وقال ( عالم ) ولم يقل يعلم ؛ للإشارة إلى أسمائه وأنه صفة ملازمة له سبحانه وتعالى ، وذكر الغيب والشهادة لإثبات أن علمه واحد بالشاهد والمغيب على سواء ؛ لأنه علم محيط ، لا يفترق فيه شئ عن شئ . ووصف ذاته العلية بأنه فوق البشر وفوق كل ما هو من شأن البشر ، فقال : الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ الكبير أي العظيم في قدرته وإرادته ، وكمال سلطانه وتدبيره وخلقه لكل هذا الوجود بسمائه وأجرامه وكواكبه وسياراته ، وأرضه ، وكل ما هو مسخر في هذا الوجود الْمُتَعالِ أي المتسامى في صفاته ، وفي كل ما هو من شأنه فلا يشبه شيئا من خلقه ، ولا يشبهه شئ من خلقه ، ليس كمثله شئ وهو السميع البصير ، تعالى اللّه سبحانه عن مشابهته للمواد علوا كبيرا وهو الواحد الأحد الفرد الصمد . ثم بين سبحانه وتعالى علمه بالناس في سرهم وجهرهم ، في خواطر نفوسهم وما تنطق به ألسنتهم ، فقال تعالى : سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ التفت سبحانه وتعالى من الغيبة إلى الخطاب عندما تحدث بعلمه عن الأحياء ، فقال : سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ . . . ليشعر الأناس من خلقه بأنه معهم ، فإن لم يكونوا يرونه فإنه يراهم ويخاطبهم سبحانه وتعالى ، وهذا إشعار لهم بمقام المشاهدة ليتجهوا إليه ؛ ليحسوا برقابته ، وكمال شهادته .