محمد أبو زهرة

3411

زهرة التفاسير

وروى أبو داود أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « لقد تركتم أقواما ما سرتم مسيرا ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من واد ، إلا وهم معكم فيه » ، قالوا : يا رسول اللّه وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة ! ! فقال : « حبسهم العذر » « 1 » . وهؤلاء الذين سقط عنهم واجب الجهاد بالسيف ، والاشتراك في المعركة ، ذكرهم اللّه تعالى فقال : لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ أي إثم أو أن يكلفوا أنفسهم العنت والضيق . والضعفاء هم الشيوخ الذي أثقلتهم السن ، والنساء والصبيان ، وغيرهم من الذين لا تتحمل أجسامهم لضعف بنيتهم ، وخور منّتهم « 2 » ، والأعمى والأعرج ، كما قال تعالى : لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً ( 17 ) [ الفتح ] . والضعفاء الذين عذرهم ، وفيهم الأعمى والأعرج وعذرهم ثابت دائم ، وهناك أمر ليس بدائم ، وهو عارض ، ولكنه يسقط الوجوب في مدة وجوده ، وهو المرض الشديد الذي يقعد عن القيام بالواجب أو يزيده الجهاد مرضا . وهناك عجز ليس في ذات الجسم دائما ، أو عارض قابل للزوال ، وهو ألا يجد ما ينفق منه على نفسه في رحلته ، وقال تعالى فيه : وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ . وكل لا يجب عليهم الجهاد ، ولكن يجب عليهم أن ينصحوا للّه ورسوله ، وقد بينا ما قال العلماء في ذلك ، وإنهم بإخلاصهم ونصيحتهم ، والقيام بالواجب الذي يقدرون قد أحسنوا في جنب اللّه ، ولذا قال تعالى : ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ .

--> ( 1 ) هذه رواية أبى داود : الجهاد - الرخصة في القعود من العذر ( 2508 ) . ( 2 ) المنّة : القوة . والمقصود ضعف قوتهم .