محمد أبو زهرة

3899

زهرة التفاسير

متراكبا ، ونخيلا وجنات ، وفوق ذلك هم يسلمون بأنه الذي ابتدأ خلقهم ، والابتداء في حكم العقل والفكر أشد من الإعادة ، كما قال تعالى : . . . كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ( 29 ) [ الأعراف ] وعجبهم الضال هو في أنهم بعد أن يصيروا ترابا يعودون أحياء . والاستفهام للإنكار ، لإنكار الوقوع مع الغرابة من هذا الوقوع ، إن كان ، وكرر الاستفهام أَ إِذا كُنَّا تُراباً ، وقولهم : أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ؛ لأن موضع الغرابة هو الخلق الجديد بعد أن يصيروا ترابا ، فدخل الاستفهام على الحالين ، والتعبير ب خَلْقٍ جَدِيدٍ يدل على موضع استغرابهم ، ونسوا أن الذي يخلقهم خلقا جديدا هو الذي أنشأهم ابتداء على غير مثال سبق ، ومن أنشأ على غير مثال سبق قادر على الإعادة على المثال الذي بدأه . والسبب في ذلك أنهم كفروا بربهم ؛ ولذا قال تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ الإشارة إليهم محملين بهذا العجب من إعادة الخلق جديدا ممن بدأه ، وفي هذه الجملة السامية بيان سبب الإنكار وهو أنهم كفروا بربهم ، كفروا بقدرته القاهرة ، والتعبير بربهم في هذا المقام له سره العميق ؛ لأنهم يكفرون بقدرته وهو الذي أنشأهم ، ويربيهم ، ويقوم على أمورهم ، فكيف يعجز عن حال من أحوالهم . وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ الإشارة إليهم على النحو الذي بيناه ، والأغلال جمع غل وهو القيد الذي يرفع اليد إلى الأعناق ، وذكرت الأعناق في الآية لتأكيد وجود الغل ، وفي الكلام ما يفيد أن الأغلال معنوية ؛ ذلك أنهم لسيطرة المادة عليهم كانوا كأنهم في أغلالها لا ينفصلون عن هذه الأغلال ، فالكفر بالغيب أدّاهم إلى هذه الحال المثيرة للعجب من أمرهم ، ففي الكلام استعارة ، شبهت حالهم في استغراق المادة لنفوسهم بحال من وضع الغل في عنقه ، فلا يتحرك إلا تحت سيطرة هذه الأغلال ، و فِي أَعْناقِهِمْ ترشيح للاستعارة .