محمد أبو زهرة

3881

زهرة التفاسير

وسابعها : التأنى للأمور ، وقد رأينا كيف أخذ الثقة في لين ، ومن غير إعنات من العزيز ، ظهر ذلك فيمن هو أعلى منصبا منه ، وظهر في صغائر الأمور ، كما رأيت في استبقائه أخاه من غير اقتتال ، بل بوضعه السقاية في رحل أخيه من غير اتهام لشخصه ، ثم أخذ الحكم من ألسنتهم ، ونفذه بقولهم . ثم من بعد ذلك أخذ الأمور بالتأنى ، حتى التقى بأبيه على مائدة الرحمة والمودة والإيثار ، وقد قتل الحقد بالعفو ، والغيرة بالمحبة ، والضلال بالهداية . وفي السورة عبر كثيرة ، وقد ذكرنا بعضا منها في أول السورة في معاني قوله تعالى : لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ ( 7 ) . وقلنا : إن قوله تعالى : لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ الضمير يعود إلى الأنبياء ، وخصصنا نحن قصة يوسف ببعض ما يلوح منها من عبر ، والعبرة والاعتبار الحال التي يعرف فيها ، ما يجب عمله في الحاضر بالأخذ مما كان في الماضي بأن يتفكر ويتدبر ما كان في الماضي من وقائع ، ويعلم أنه نور يضئ للحاضر ، فالإنسان ابن الإنسان يتشابه في آثامه ، ويتشابه في عواقبها ونهايتها ، فذكر هذه الآثام لجماعة أو قبيل ، وبيان العواقب بيان للعواقب في كل جيل لمن يقع فيها من أهل هذا الجيل الذي خلف الأول ، ولذا كان في قصص الرسل إنذار للمشركين وتسلية للنبي والمؤمنين بأن نصر الله آت ، وكل آت قريب مهما يتأخر الزمان . ويقيد سبحانه وتعالى المعتبرين بأن يكونوا من ذوى الألباب أي العقول التي تذهب في إدراكها إلى لب الأمور وحقائقها ، ويتدبرون مباديها ، ونهاياتها ، ويبين الله سبحانه أنه لم يكن حديثا يفترى ويخترع كأساطير الأولين ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى كما قال الأفاكون أنها . . . أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ( 5 ) [ الفرقان ] والتنكير في - حديثا - لعموم النفي أي ما كان حَدِيثاً أي حديث يفترى ويخترع اختراعا لمجرد التسلية وتزجيه الفراغ ،