محمد أبو زهرة

3863

زهرة التفاسير

منشئى والمنعم علىّ بالوجود والإنسانية والمسرة في الشدة ، والنجاة من كل ألم بفضلك وعنايتك . رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ ، قَدْ هنا للتحقيق ، وقال : مِنَ الْمُلْكِ ولم يقل الملك ، لأن الملك كله لمالك الملك ذي الجلال والإكرام ، والطول والإنعام ، فما يملك الحاكمون ليس إلا ذرة من ملكه سبحانه ، وهو ليس من جنسه ، بل من جنس آخر ، وهو ما يكون للعبيد في هذه ومتاعها ، وهو قليل بجوار متاع الآخرة . وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ ، أي من معرفة مآل الأحاديث سواء أكانت رؤيا في المنام أم كانت أحاديث الناس فمعرفة أحاديث الناس ، شعوبا ودولا وجماعات ، من علم سياسة الدولة ، وكيف يدبّر أمرها ، وقال عليه السلام : مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ ، أي علمه بعضها ، لا كلها ، وفوق كل ذي علم عليم ، فما علم كل سياسة الحكم ، ومعاملة الناس ، وما علم كل تأويل الرؤى ، ولكن علم بعضه ، وذلك من تواضع العلماء ، أمام العلم العام . ثم نادى ربه بأنه خالق الكون كله وانتقل من نعمته عليه إلى نعمته على الكون كله ، فقال : فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، أي مبدعهما على غير مثال مسبق فهو بديع السماوات والأرض . ثم أعطاه الولاية كلها ، أو اعترف بالولاية كلها ، فقال : أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ، أي أنت ناصري ومتولى أمرى في الدنيا والآخرة ، توليتنى بحمايتك ورحمتك في الدنيا ، فتولنى بها في الآخرة ، ثم قال ضارعا لربه ، تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ، توفني إليك مخلصا الدين لك أنت وحدك ، واجعلني في الصالحين من الصديقين والشهداء ومن ارتضيتهم يا رب العالمين .