محمد أبو زهرة
3859
زهرة التفاسير
ملوك مصر ، وقد قالوا : إن عبيقه شمه نبي اللّه يعقوب من نحو ثمانين فرسخا ، وقد يقال إنه إلهام النبوة ، جعله يشم رائحة يوسف من مكان بعيد ، ويقول عليه السلام : لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ ، أي إلا أن تنسبوني إلى الفند ، والفند نقصان عقل بسبب الشيخوخة ، وما هي شيخوخة ، ولكنها نبوة وشفقة أبوة . و لَوْ لا حرف شرط وتعليق ، وجوابه محذوف ، أي لولا أن تفندوني لصدقتم ، ولآمنتم بالحق ، وتقدير التفنيد لعقليتهم غير المدركة ، لا للأمر في ذاته . قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ ( 95 ) ، الضمير في قالُوا يعود إلى الحاضرين ، ويظهر أن بعضهم ذهب في العير للقاء عزيز مصر ، وبعضهم بقي مع أبيه ، أقسموا مؤكدين بأنه ليس فند الشيخوخة ، ولكنه حال قديمة ، وقالوا إنه ضلال قديم لازمك ، ولذا أضافوا الضلال إليه عليه السلام ، وهو زعمهم الكاذب فنبى اللّه تعالى مستحيل أن يكون ضالا ، ومهما يكن فقد نفوا عنه فند الشيخوخة . وكل ذلك قبل أن يجئ البشير ، فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً ، أَنْ مؤكدة لمجىء البشير ، وقد سمى بشيرا ، لأنه بشر يعقوب عليه السلام بوجود ابنه ، وقرب لقائه ، ولأن معه ما يرد البصر إليه ، وبمجرد مجيئه ألقاه على وجهه ، و أَنْ كما أكدت الشرط ، وهو مجىء البشير ، أكدت أيضا ترتيب الجواب على الشرط ، ألقاه فور مجيئه ، فَارْتَدَّ بَصِيراً ، الفاء للعطف مع الفورية ، وتلك خارقة للعادة كما أشرنا من قبل ، وقد بين يعقوب بعد ذلك أنه لم يكن واهما ، ولا ضالا عندما كان يقول لهم : اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وعندما كان يذكر لهم ما أعلمه اللّه تعالى ، لذا قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ الاستفهام لإنكار الوقوع مع التنبيه الشديد ، داخل على النفي ونفى النفي إثبات ، والمعنى لقد علمتم أنى أعلم من اللّه ما لا تعلمونه أنتم . عندئذ أحسوا بجريمتهم الشديدة نحو أبيهم ، إذ حرموه من ابنه سنين طوالا ، وتركوه فريسة الشوق والحزن والأسى والبكاء مع الصبر الجميل من غير