محمد أبو زهرة

3856

زهرة التفاسير

قالوا مقسمين على حقيقتين : الحقيقة الأولى : أن اللّه آثر بالفضل والإحسان والتوفيق يوسف عليه السلام ، فقد أعطاه النجاة من الموت والرق ، والسلطان على مصر ، خير بلاد الأرض تجاورهم ، فكان هو ملكا عزيزا ، وهم دونه ، وأكدوا أن اللّه آثره : ب ( اللام ) ، و ( قد ) ، وب ( القسم ) . الحقيقة الثانية : أنهم أحسوا بأنهم كانوا آثمين ، ولذا قالوا : وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ ، إِنْ هي المخففة من الثقيلة وإنه الحال والشأن كنا لخاطئين ، والخاطئ هو الواقع في الإثم ، أو الخطيئة ، وقد أكدوا إثمهم أولا ب ( إن ) المخففة من الثقيلة ، و ( كان ) الدالة على استمرار خطئهم ، و ( لام التوكيد ) لَخاطِئِينَ وهذا اعتراف خطير بالذنب ، وهو أول خطوات التوبة . ولكن الكريم ابن الكريم ، النبي ابن النبي يعقوب ، « وما زاد عبد بعفو إلا عزا » « 1 » ، ويقول : لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ، التثريب ، اللوم والتوبيخ ، والرمي بالعار ، وقد روى عن قتادة أن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، قال : « إذا زنت أمة أحدكم ، فليجلدها الحد ولا تثريب عليها » « 2 » ، أي لا توبيخ ولا رمى عليها بالخزى حتى لا تصاب بالهوان ، فتسهل الجريمة عليها ، ومعنى لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ، أنه في اليوم الذي بدا نصر اللّه ، وإعزازه لمن كنتم تريدون له الضياع أو الهوان ، والرق ، فإن ذلك يكفيكم عبرة ، وبيانا لسوء مغبة أفعالكم ، وأحقادكم ، فلا توبيخ أكثر من معرفة النتيجة ، ولكن بدل التوبيخ ، واللوم محبة الإخوة ، ومودة الأهل ، ولذا قال بعدها ، يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ، يطلب من

--> ( 1 ) عن أبي هريرة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « ما نقصت صدقة من مال ، وما زاد اللّه عبدا بعفو إلا عزا ، وما تواضع أحد للّه إلا رفعه اللّه » . رواه مسلم : البر والصلة والآداب - استحباب العفو والتواضع ( 4689 ) ، والترمذي : البر والصلة ( 1952 ) ، وأحمد : باقي مسند المكثرين ( 6908 ) . ( 2 ) رواه البخاري : الحدود - لا يثرب على الأمة إذا زنت ( 6334 ) ، ومسلم : الحدود - رجم اليهود أهل الذمة في الزنا ( 3215 ) .