محمد أبو زهرة

3404

زهرة التفاسير

وبعد أن بين حالهم في فرار من الجهاد ، وإبداء المعاذير الكاذبة ، ورضاهم بأن يكونوا مع النساء والضعفاء وبأن يكونوا أشياء لا خير فيها ولا فائدة - ذكر بعد ذلك الذين يريدون الحياة الحق ، حياة الجهاد ومفتاح السعادة في الدنيا والآخرة ، وهم الرسول والذين اتبعوه ، فقال : لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 88 ) . الاستدراك هنا للانتقال ممن ارتضوا المنزل الهون إلى الذين لم يريدوا إلا العزة والكرامة والرفعة ، ومن امتلأت قلوبهم بحب اللّه تعالى ، فآثروه على كل الوجود ، ورضوا بالمشقة وإن اشتدت ؛ مرضاة له سبحانه وتعالى ، فالاستدراك لبيان الرفعة التي وصل إليها المؤمنون في مقابل الذلة التي ارتضاها الآخرون ، كقوله تعالى : . . . فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ( 89 ) [ الأنعام ] ، وكقوله تعالى : فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ ( 38 ) والمعنى فإن استرخى هؤلاء عن الجهاد ، ورضوا بالقعود مع الضعفاء والنساء فالرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم ، وقوله : لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ . . . التعبير بالرسول في هذا المقام للإشارة إلى أن مقام الرسول يوجب الجهاد ؛ لأنه تبليغ للدعوة ، وحماية لها ، ودفع للذين يعاندونها ، وذكر بجوار مقام الرسالة من معه ، أي من آمنوا ، وصاروا معه في جهاده الذي حمل عبئه بحمله عبء الرسالة ، والرسول وما عطف عليه مبتدأ خبره ما جاء بعد ذلك ، وهو قوله تعالى : جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أي قدموا النفس والنفيس ، وقدم سبحانه وتعالى الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس ، مع أن النفس أغلى وأعز ، والجود بها أقصى غاية الجود ، قدم المال مع ذلك ؛ لأن الإنفاق في سبيل اللّه هو عدة الجهاد ابتداء ، وامتشاق السيوف هو نهايتها ، ولأن ذلك يشير إلى أنهم باعوا أنفسهم للّه تعالى واطرحوا الدنيا اطراحا ، فالمال يطلب لغايات الدنيا ، وقد اشترى اللّه من المؤمنين أنفسهم فلا حياة لهم إلا مع اللّه .