محمد أبو زهرة

3799

زهرة التفاسير

وظلم ذوى القربى أشد مضاضة * على النفس من وقع الحسام المهند لم يرد نبي اللّه يعقوب أن يذكر يوسف الرؤيا لإخوته وقال في سبب النهى عن قص الرؤيا على إخوته فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً ( الفاء ) تدل على أن ما قبلها وهو القصص سبب لما بعدها وهو الكيد ، والكيد هنا هو التدبير السيئ الذي يسببه الحسد ، الذي هو سلاح الشيطان ، لذا قال بعد ذلك إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ أي إنه عدو لك ولإخوتك ، ولذا يغرى بينكم بالعداوة والبغضاء ، وتكون الإساءة بدل الود . وإن هذه القصة فيها آيات بينات دالة على النفس الإنسانية في توادها ، وبغضائها ، ورعاية اللّه للضعفاء ، والأخذ بأيديهم من المهانة إلى المعزّة ، وقد قال تعالى فيها ، إن فيها آيات للسائلين . وفي وقت هذا الحرص الشديد على منع يوسف من القصص على إخوته حتى لا يثير حسدهم ، بشره بأن اللّه اجتباه لمكانة عظيمة ، فقال مبشرا : وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 6 ) . الاجتباء افتعال من « جبى » ، وهو الجمع للنفس ، فمعنى اجتباك أي جباك لنفسه ، واختارك سبحانه وتعالى ، أي لتكون خالصا للّه تعالى ، وَكَذلِكَ الإشارة إلى ما تضمنته الرؤيا ، أي كهذه الرؤيا التي سجدت لك فيها الكواكب والشمس والقمر ، يختارك اللّه تعالى لتكون نبيه وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ ، أي معرفة مآل الأحاديث في الرؤيا ، وفي الرؤية ، فيعرف صادقها وكاذبها ، ويتم نعمته عليك بالنبوة والملك والسلطان العادل كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ إذ جعله خليله ، وصفيه وحبيبه ، وَإِسْحاقَ أي وكما أتمها على إسحاق بالنبوة وحباه من ذريته النبيين ، وآل يعقوب هم إخوته وأسرته ، وعلى رأسها أبواه .