محمد أبو زهرة

3774

زهرة التفاسير

وإنه قد حق على المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها الهلاك الذي نزل بها ، لأن الظالم يظلم ، ويجد الكثرة الكاثرة تؤيده ، وتنصره على المظلومين ، وتصفه بالحكمة والعدل والعبقرية ، حتى اختلطت على الناس الألفاظ والحقائق ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم . وإن إرادة اللّه تعالى تعلقت بتنازع الخير مع الشر ، من وقت أن هبط آدم وإبليس إلى هذه الأرض وقال : . . . اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ . . . ( 36 ) [ البقرة ] يتنازع الخير والشر ، في نفس كل إنسان ، كما قال تعالى : وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ ( 10 ) [ البلد ] حتى إن كف النفس عن الشر يعد جهادا ، يثاب عليه ، ويتنازع الآحاد بعضهم مع بعض ، وتتنازع الجماعات وتتحارب الدول ، وتلك إرادة اللّه ، ولو شاء لخلقهم على منزع واحد ، ولا تكون الحياة معتركا للخير والشر يتنازعان . ولذا قال تعالى : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ ( 118 ) . لَوْ هنا حرف امتناع لامتناع . امتناع الجواب لامتناع الشر ، أي لو شاء ربك الذي خلقك وذرأك وكونك على أحسن تقويم أن يجعل الناس أمة واحدة ، جماعة واحدة متحدة في هدايتها وتقواها لجعلها كذلك ، وما كان التنازع بين الخير والشر ، والعدل والظلم ، والفضيلة والرذيلة ، والرزق والحرمان ، والغنى والفقر إلا بإرادته ، بين - سبحانه وتعالى - أن ذلك الاختلاف دائم مستمر ، فقال تعالى : وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ فيما بينهم في نفوسهم ، وفي آحادهم ، وفي جماعاتهم ، وفي أممهم . وإن الاختلاف على ذلك ابتلاء واختبار ، ليبلو الناس فيما ، فمن أراد الخير انتزعه من وسط الشر انتزاعا فيكون به الثواب الجزيل ، ومن أراد الشر سار فيه ، وأعلام الخير واضحة معلمة ، تدعوه إلى سلوكه ، فإن ضل فعن بينة ، واللّه من