محمد أبو زهرة
3753
زهرة التفاسير
ولا يقال ما قاله الجهلاء إن القرآن خالف النحو ، وذلك لأمرين : الأمر الأول : إن الكسر إنباء عن وجود الباء وإن لم ينطق بها ليكون ذلك خفيفا على اللسان ، ووافق لغة من لغات العرب الفصيحة . الأمر الثاني : أن النحو تشتق قوته من القرآن ، والقرآن فوقه . وقوله تعالى : لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ تكلم فعل مضارع حذفت فيه التاء ، وأصله لا تتكلم نفس إلا بإذنه . والضمير يعود على اللّه تعالى إِلَّا بِإِذْنِهِ ، لأنه حاضر في العقول والنفوس والقلوب ، ولقد قال تعالى في ذلك : هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ( 35 ) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ( 38 ) [ المرسلات ] . وكونهم لا يتكلمون إلا بإذنه لكيلا يقولوا إلا صوابا كما قال تعالى : . . . لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً ( 38 ) [ النبأ ] . ففي هذا اليوم يكون الإقرار بالذنوب من غير مماراة ، بل يقرون بالحق ؛ لأن هذا يوم الصدق ، وإن الكلام في هذا اليوم بالإقرار الصادق ، أما أن يكون فيه شقيا لما ارتكب وإما أن يكون سعيدا ، ولذا قال تعالى : فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ فمن الجمع المجموع شقي بما ارتكب في النار ، وإما سعيد لم يرتكب إثما ، فيكون في الجنة ، وقد فصل القول سبحانه : فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ( 106 ) الشهيق النفس في الصدر ، والزفير إخراجه وقيل العكس ، ( أما ) للتفضيل والبيان لما يؤول إليه أمر الشقي ، وما يؤول إليه أمر السعيد ، فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ أي الذين شقوا بأعمالهم في الدنيا ، وتسجيلها عليهم بإقرارهم في الآخرة ، فَفِي النَّارِ أي أن مآلهم النار يدخلونها ، لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ، أي يدخلونها في صدورهم بشهيقهم ، ويخرجون منها نارا بزفيرهم ، فالنار تكوى جلودهم ، وتدخل إلى أحشائهم ، يتلظون بها في أبدانهم ظاهرا وباطنا ، داخلا وخارجا .