محمد أبو زهرة

3750

زهرة التفاسير

والتعبير بضمير جمع العقلاء ، وليست الحجارة عاقلة إنما هو تهكم بهم ، وبنظرهم الذي يعبد حجارة ، ويرجو نفعها ، وقوله تعالى : غَيْرَ تَتْبِيبٍ أي هلاك متضاعف متكرر . وإن اللّه تعالى قدر العذاب وأنزله فكيف تزيد الحجارة فيما قدر اللّه وهي لا تملك من الأمر شيئا ؟ والجواب عن ذلك أنه تصوير لحالهم مع هذه الحجارة ، إذ إنهم استمروا في عبادتها لا ينون بل يجادلون ، ويعاندون حتى جاءهم العذاب الأليم ، وكلما زادوا عنادا كان العذاب على قدره ، وعنادهم المتزايد ، وعقابهم عليه المتضاعف ، كله في تقدير اللّه العزيز الحكيم ، واللّه حكيم عليم . وإن هذا سنة اللّه تعالى في خلقه العصاة ، ولذا قال تعالت كلماته : وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ( 102 ) . التشبيه في قوله تعالى : وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ هو تشبيه حال القرى القائمة الظالمة في توقع عذاب اللّه لها بحال الذين أخذوا من قبل كغرق قوم نوح ، وكالرجفة التي أخذت ثمود ومدين ، وكالريح الصرصر الذي أخذ من قبل عاد كهذا الأخذ الذي أخذ به السابقون ، يؤخذ القائمون في عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وإن ذلك الماضي إنذار للحاضرين من القرى الظالمين كالمشركين في مكة الذي يتحدّون اللّه ورسوله ، ويحسبون أنهم الغالبون ، واللّه تعالى غالب على أمره ، وقد قرر بعد ذلك شدة عذابه في أخذه لهم من حيث لا يحتسبون ، فقال عزّ من قائل : إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ أي إن أخذه المفاجئ الذي لا يرتقبونه فوق ما فيه من ألم المفاجأة ، وهم يرتعون ويلعبون هو في ذاته مؤلم موجع ، وشديد في إيلامه وفي حاله ، وحالهم معه ، كانوا ينتظرون مطرا يمطرهم ، فإذا هو ريح فيها عذاب أليم . وإن ذلك إنذار كما ذكرنا للمشركين ، حتى يرجعوا عن غيهم ، وإن اللّه إذا كان قد أخر عنهم العذاب ، لأجل محدود ، فإنهم ليسوا غالبين ، وإنه سبحانه