محمد أبو زهرة
3696
زهرة التفاسير
ثم ذكر بعد ذلك جزاءهم فقال تعالت كلماته : أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ، وإن الإشارة إلى صفاتهم من إيمان وعمل صالح وإخبات إلى ربهم إيضاح إلى أنها سبب ذلك الجزاء العظيم ، وقد أكد سبحانه وتعالى جزاءهم بأنهم ملازمون للجنة ، وأنهم أصحابها الذين لهم اختصاص يشبه ملك المالك لما يملك وأكد أيضا بضمير الموصول فقال : هُمْ فِيها خالِدُونَ . هذا مكان الذين آمنوا ، وذلك مهوى الذين يصدون عن سبيل اللّه ، وقد وازن سبحانه وتعالى بين الفريقين فقال تعالت كلماته : مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 24 ) . المثل هو الحال والشأن ، الفريقان فريق من ضل وغوى فكان في السعير ، ومن آمن واهتدى وعمل صالحا واطمأن إلى حكم ربه فكان في الجنة ، فجعل فريق الغواية كالأعمى الذي لا يبصر والأصم الذي لا يسمع ، وفريق الهداية كالبصير الذي أوتى حدة في البصر حتى كان بصيرا يرى الأشياء والحقائق ، والسميع الذي أرهف سمعه حتى صار يسمع دبيب النمل . هَلْ يَسْتَوِيانِ ؟ هذا استفهام إنكاري بمعنى إنكار الوقوع ، أي لا يستويان مثلا أي حالا وشأنا ، بل يفترقان ويكونان بما يتفق مع حال كل منهما ، فالأعمى الذي لا يرى حتى يعرف الطريق ، والأصم الذي لا يسمع الهادي الذي يرشده فهو يتردى في المهاوي غير رشيد ولا مسترشد ، والبصير الذي يرى أعلام سبيل اللّه تعالى وهو السميع الذي يسمع المرشد الهادي إلى سواء السبيل لا بد أن يسلك الطريق الأقوم ، فلا يستويان في الابتداء والانتهاء ، ففريق في الجنة ، وفريق في السعير . والتشبيه فيه تخريجان : التشبيه الأول : تشبيه الكافر بالأعمى الأصم الذي لا يرى الطريق ولا يسمع من يهديه ، والمؤمن بالبصير السميع الذي يهتدى ببصره وبإرشاده وقد وضحناه .