محمد أبو زهرة

3683

زهرة التفاسير

هؤلاء نالوا متعتهم ولم يعملوا لآخرتهم فليس لهم فيها إلا النار يصطلونها ؛ لأن طالب الدنيا وحدها لا يناله إلا الشر فهو يعتدى ولا يعرف حق غيره ، ويكفر باللّه ويعبد الأوثان ، فهو لا يؤمن إلا بما يلمسه بين يديه وكل ذلك إلى النار ، وإن طلب المتعة الدنيوية ذاتها أو طلب زينتها لا يؤدى إلى النار ، إنما الذي يؤدى إلى النار هو ما يقترن بطلب الدنيا وزخارفها من عدم الوقوف عند حد المباح من الطيبات ، بل يكون الاعتداء والتطاول والشرك وإن هذا مآله النار ، وقد قال تعالى : مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ( 20 ) [ الشورى ] وفي قوله تعالى : وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها أي فسد ما صنعوا . والحبط أن يكون فساد العمل أو الشئ من ذاته وليس من أمر خارج عنه ، ويقول الراغب الأصفهاني في مفرداته ، أصل الحبط من الحبط وهو أن تأكل الدابة حتى تنتفخ بطنها . والحبط فساد الأمر من ذاته لا من أثر خارج عنه كما أشرنا ، وقد قال الراغب رضى اللّه عنه في المفردات أيضا : « حبط العمل عن ثلاثة أضرب : أحدها : أن تكون الأعمال دنيوية لا تغنى في القيامة عنا كما قال تعالى : وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً ( 23 ) [ الفرقان ] . والثاني : أن تكون أعمالا أخروية في ظاهرها لكن لم يقصد بها صاحبها وجه اللّه تعالى ، فإنه يؤتى بصاحبها يوم القيامة فيؤمر به إلى النار . والثالث : أن تكون أعمالا صالحة ولكن بإزائها سيئات وهو ما يشار إليه بخفة الميزان . وإن أولئك الذين قال فيهم سبحانه : وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها هم الذين ما نظروا إلا إلى الدنيا وزينتها ولم يفكروا في الآخرة ؛ لأنهم لا يؤمنون بالبعث ولقاء اللّه تعالى ، وما كانوا يصنعون المعروف إلا للرياء والسمعة فكانوا مشركين .