محمد أبو زهرة
3675
زهرة التفاسير
وإن ضبط النفس يكون في مطوى هذه الشعب ، فلا تكون نفس الصابر رعناء تبئسها الشدة وتقرها النعمة فيكون في اضطراب مستمر ، وهوج في النعم والنقم . وقد استثنى اللّه تعالى الصابرين ، وذكر في أوصافهم العمل الصالح وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ، أي عملوا كل شئ فيه صلاح أنفسهم وجماعتهم ، وصلاح دينهم الذي هو عصمة أمرهم ، وإن اقتران العمل الصالح بالصبر يدل : أولا : على أن العمل الصالح يقتضى صبرا على الاستمرار فلا بد أن يكون مستمرا دائما ، ولذلك قال صلى اللّه عليه وسلم : « أحب الأعمال إلى اللّه أدومها وإن قل » « 1 » ، كما أنه قال : « إن اللّه يحب الديمة في الأعمال » « 2 » . ثانيا : يدل اقتران العمل الصالح بالصبر على أن العمل الصالح يحتاج إلى تحمل بعض المشاق ، كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « والذي نفسي بيده لا يقضى اللّه للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له ، إن أصابته سراء فشكر كان خيرا له ، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له ، وليس ذلك لأحد غير المؤمن » « 3 » . وقد بيّن سبحانه وتعالى جزاء الصابرين العاملين فقال : أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ الإشارة إلى أن الجزاء مغفرة ، إذ إن اللّه يستر ما لهم من أعمال غير مقبولة بغفرانه ؛ لأن الصبر والعمل الصالح يستران بذاتهما العمل غير الصالح بأمر اللّه تعالى : . . . إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ . . . ( 114 ) ، وبعد هذه المغفرة الساترة يكون الأجر الكبير الذي هو عظيم في ذاته وبلغ قدرا لا يدرك كنهه إلا اللّه معطيه .
--> ( 1 و 2 ) رواه البخاري : الرقائق - القصد والمداومة على العمل ( 6464 ) ، وبنحوه مسلم : صلاة المسافرين وقصرها - فضيلة العمل الدائم من قيام الليل ونحوه ( 783 ) . ( 3 ) جزء من حديث رواه مسلم : الزهد والرقائق - المؤمن أمره كله خير ( 2999 ) .