محمد أبو زهرة
3668
زهرة التفاسير
بالرزق وإمساكه لملكوته كله . والأيام الستة ليست هي أيامنا فلا يقال ابتدأ بالأحد وانته بالجمعة ؛ لأن أيامنا نشأت بعد خلق السماوات والأرض ، وارتباط الأرض بالشمس والقمر والنسبة بينهما وكل يدور في فلكه ، والشمس والقمر بحسبان . إنما يراد بالستة أيام الأدوار الكونية ، وقد أشار اللّه تعالى إلى هذه الأدوار في سورة فصلت : قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ ( 9 ) وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ ( 10 ) ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ( 11 ) فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 12 ) [ فصلت ] . فالأيام هي أدوار الخلق والتكوين كما تشير الآيات . وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ يصح أن نقول - واللّه سبحانه أعلم بمراده - إن العرش كناية عن السلطان الكامل ، وفي ذلك تصوير لتدبير ملكه وخلقه في أرزاقهم وأقواتهم وبقائهم والتماسك بين أجزاء السماء والأرض وكيف ينزل الغيث ومنبت الأرض بعد موتها وكيف يمسك السماوات والأرض أن تزولا ، وكيف يحفظ الوجود كله وهو الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم . وهذا قد يكون معنى العرش فيما أحسب ، واللّه لا إله إلا هو وحده عنده العلم الكامل . وذكر سبحانه أنه على الماء للإشارة إلى أنه سبحانه هو الذي يدبر أمر الأحياء كلها ، وأن رزق الذي يسبح في الماء في كفالة اللّه كرزق الذي يدب على الأرض . ثم يقول سبحانه : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا أي ليعاملهم معاملة المختبر ، إذ إن لهم إرادة تتجه إلى الخير وتتجه إلى الشر ، وهو سبحانه خلقكم ومكّن لكم في الأرزاق والأقوات والاستقرار في الأرض ؛ ليظهر المؤمن فيشكر ويظهر الكافر فيكفر ، و أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا فيها أَحْسَنُ بمعنى أخلص والمخلص الذي بلغ إخلاصه أعلى الدرجات .