محمد أبو زهرة

3666

زهرة التفاسير

وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ ( 6 ) . ما نافية ، وكلمة مِنْ للدلالة على عموم الآحاد في كل الدواب ، أي يعلم كل دابة علما دقيقا في مفردها وجماعتها ، أي أن كل دابة على اللّه رزقها ، وكانت التعدية للدلالة على أن ذلك متحقق ثابت بمقتضى وعد اللّه تعالى الذي لا يخلفه ، فعبر ب عَلَى وهذا لأن اللّه لا يجب عليه شئ إلا ما كتبه سبحانه على نفسه ، كما قال تعالى : . . . كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ . . . ( 54 ) [ الأنعام ] . وليس هناك إلزام ، ولكن هناك وعدا والتزاما ، والدواب ما يدب على الأرض من أصغر الكائنات إلى الإنسان ، وعلى اللّه رزق كل هؤلاء ، والإنسان بكل ما يتخذه من أسباب ليس هو المنشئ للرزق فقد يتخذ كل الأسباب ولا يكون إلا الحرمان ، فكل شئ من فضل اللّه ، وعلى الإنسان أن يسعى ولا بد من الأخذ بالأسباب بعد التوكل وتفويض الأمر للّه ، وليس لأحد أن يحسب أن أسبابه وحدها تموله وتمونه ، بل لا بد من التوكل على اللّه والتفويض إليه . والرزق بالنسبة للدواب والأحياء ، هو ما يتمول به ويتغذى ، فينمى جسده ونفسه ويكون بقاؤه ، وذلك عام في الدواب جميعها ، وبمقتضى إرادته الحكيمة يكون بعض الدواب رزقا للآخر ، وكل ذلك بتقدير اللّه تعالى وبفضله الذي أنشأ ودبر وحكم . وأكد سبحانه أن كل دابة في ظل فضله وسلطانه يدبر أمرها ويحكم بتدبيره فقال : وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها المستقر هو الإقامة في الأرض ، ويصح أن نعدها مصدرا ميميا ، فيكون المعنى ويعلم استقرارها ، كما يصح أن نعدها اسم مكان أو زمان ، أي يعلم مقامها في الأرض وزمان إقامتها .