محمد أبو زهرة
3636
زهرة التفاسير
إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ الاستثناء منقطع بمعنى لكن ، وفيه بيان نفع الإيمان ، والمعنى ألا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها ، لكن قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي ، وجوّز النحويون أن يكون الاستثناء متصلا ؛ لأن كلمة ( لولا ) حرف امتناع تدل في مضمونها على النفي فيكون المضمون - ما قرية آمنت فنفعها إيمانها ، إلا قوم يونس فإنهم آمنوا وقت السعة والاختيار فنفعهم إيمانهم ، وذلك كقوله تعالى : لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ أي حين آمنوا مختارين أزلنا عنهم ، وعبر بكلمة كَشَفْنا إشارة إلى أن الخزي غمة وهلاك فإزالته كشف للغمة ومنع لها ، وأبقيناهم ممتعين مرفهين في الحلال إلى حين قضاء أجلهم . وقد روى أن يونس - عليه السلام - قد بعث نبيا في مدينة « نينوى » من الموصل وكانت مدينة عظيمة ، وقصة الآشوريين في حكمهم - وهي مدينة قديمة دأب أهلها على تحصينها ، وقويت شوكة حكامها حتى خضع لهم الكثير من ممالك آسيا ، والملك الواسع يوصى بالتجبر كما كان من آل فرعون ، وقد أغار قوم يونس كثيرا على من جاورهم ، وكلما أغاروا أكثروا الفساد وسلبوا ونهبوا وارتكبوا الكثير من المظالم ، أنذرهم يونس بالعذاب ينزل بهم لا محالة ، وهم يعلمونه صادقا أمينا فيهم فلم يعبئوا ابتداء ، ويروى أنه أخبرهم أن العذاب نازل بهم بعد أربعين ليلة فقالوا في أنفسهم لو بقي فينا فنحن في أمن وإن غادرنا لا نكون آمنين ، لكنه غاب عنهم فقذف الله في قلوبهم الرعب وفي قلب أميرهم الإيمان ، ورأوا مقدمات العذاب تقترب منهم وتغشاهم وغامت السماء غيما أسود ، فآمنوا واستغفروا وأنابوا إلى ربهم . وإن هذا المثل يضرب بعد فرعون الذي آمن بعد فوات الأوان ، وهو مثل لإدراك قوم يونس بعد أن غشيهم ما جعلهم يتوقعون ما أنذروا به فسارعوا بالنجاة وأزالوا آثار ما اقترفوا . وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 99 ) .