محمد أبو زهرة
3621
زهرة التفاسير
ذكر اللّه تعالى قولهم : أَ جِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا ، أي لتصرفنا عما وجدنا عليه آباءنا من عبادة فرعون والآلهة التي يحل فيها ، ومن عبادة الشمس وإله الزرع وعبادة البقر . وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ أي السلطان والسيطرة والحكم في الأرض وهي أرض مصر ؛ وعبر عن الحكم والسلطان بالكبرياء ؛ لأن المصريين كانوا لا يفهمون في الحكم إلا الاستعلاء والتحكم والاستكبار ، وأن تكون طبقة الحاكمين العالية وطبقة المحكومين المرذولين ، وعبادة المحكوم للحاكم . ثم أكدوا كفرهم بالحق لما جاءهم فقالوا : وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ نفوا عن أنفسهم صفة الإيمان نفيا مؤكدا وكان ذلك : أولا - بذكر الضمير الدال على التعظيم . ثانيا - بالجملة الاسمية ، وقوله : لَكُمَا لامتناع التسليم ، بل إنهم مناوءون غير مستسلمين ، بل هم منصرفون . وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ ( 79 ) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ ( 80 ) . جاء فرعون وتولى المنازلة فقال ائتوني بكل ساحر عليم ، أي عليم بالسحر وأفانينه ، وكان للسحرة مكانة ومنزلة في مصر ، وكانوا كثيرين مشهود لهم بالسحر ولهم مكانة فيه ، فلما جاء السحرة قال لهم موسى : أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ . وفي هذه الآية نجد موسى - عليه السلام - عندما التقى بهم طلب إليهم أن يلقوا ، وفي الآية التالية ما يدل على أنهم ألقوا وتشير إلى ابتدائهم ، ولكن في سورة الأعراف ما يدل على أنه قد حدثت مجاوبة بينه وبين السحرة قالوا فيها : . . . إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ ( 115 ) قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ( 116 ) [ الأعراف ] . وأنه لا تعارض بين الآيات بل توافق تام ولكن ما في سورة الأعراف يفصّل بعض التفصيل ، وهنا يجمل كل الإجمال ؛ إذ إن نتيجة المجاوبة كانت أن طلب موسى أن يلقوا هم ، وأدرك موسى وهو المؤمن