محمد أبو زهرة
3382
زهرة التفاسير
في الآية السابقة بين اللّه تعالى كذب المنافقين ، واستعانتهم في تأييد كذبهم بالأيمان الكاذبة التي لا تصدر إلا عن مهين ، كما قال تعالى : وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ ( 10 ) [ القلم ] . وذكرنا الحديث الصحيح الذي قال فيه النبي صلى اللّه عليه وسلم « آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد خلف ، وإذا اؤتمن خان » « 1 » . وقد كانت علامة النفاق الكذب ، وقد ذكر اللّه تعالى الكذب ، ونتيجته ويذكر اللّه تعالى خلاف الوعد ، فيقول تعالت كلماته : وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 75 ) . الضمير في مِنْهُمْ يعود إلى المنافقين ، وما أشد إنصاف اللّه تعالى في أحكامنا ، وإنه سبحانه يعلمنا الصدق في أحكامنا فلا نسرف في القول فنعمّم القول ، والخبر عن خاص . والعلماء يذكرون شخصا بعينه ، أو أشخاصا معينين ، ونحن نميل دائما إلى أن تكون ألفاظ القرآن على عمومها من غير تخصيص أشخاص ، وهنا نقول إن من خواص النفاق إخلاف الوعد ، وإن الإخلاف يقع من بعضهم ، وإن كان يحتمل أن يقع من كلهم ، وعهد اللّه تعالى الذي يعاهد عليه بعضهم يشمل ما إذا عاهد النبي صلى اللّه عليه وسلم ، أو عاهد اللّه مناجيا ربه ، أو أقسم باللّه معقدا الأيمان أو نحو ذلك فهو في كل ذلك يعاهد اللّه تعالى ، فمن أقسم أن يصدق إذا جاءه فقد عاهد اللّه تعالى ، ومن نذر للّه نذرا إذا أعطاه اللّه تعالى ليصدقن ، فقد عاهد اللّه تعالى . وقال تعالى : لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ اللام هي الموطئة للقسم ، وقوله تعالى : آتانا مِنْ فَضْلِهِ ، لم يذكر فيه نوع ما يؤتيه ، أهو علم ، أم مال ، أم جاه . . . إلى آخره ، لم يذكر ما يعطيه اللّه تعالى صراحة ، ولكن الظاهر أنه مال ، بدليل
--> ( 1 ) سبق تخريجه .