محمد أبو زهرة

3615

زهرة التفاسير

يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ ناداهم نوح - عليه السلام - بما يقربه إليهم ، وهو أنهم قومه الذي نشأ بينهم وتربى فيهم وكان الأولى بهم أن يستجيبوا له بدل أن يناوءوه ويكونوا حربا عليه ، إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي مؤيّدا من اللّه ، والمقام هو مقام الرسالة الذي كرمه اللّه تعالى به ، وعظم عن أن تدرك عقولهم تذكيره بآيات اللّه - فإنه بهم لا يبالي فقد توكل على اللّه تعالى ولم يعد يحزنه قولهم ، وبلغ عدم الاهتمام بهم أن قال لهم فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ، ( الفاء ) لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، فإنه يترتب على التوكل على اللّه أن يواجههم معتزما إمضاء كلمة اللّه تعالى ، فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ ، أي اعتزموا ما اعتزمتم ، يقال جمع أمره إذا عقد عزمه ووثقه ، وَشُرَكاءَكُمْ ، الشركاء : هي الأوثان التي اتخذوها بزعمهم شركاء اللّه تعالى في عبادته ، سبحانه وتعالى عما يشركون ، وهو بهذا يتحداهم معتمدا على اللّه متوكلا عليه حق توكله . ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً أي لا يكن أمركم مستورا ، وهذا معنى غُمَّةً ، بل يكون ظاهرا مكشوفا بيّنا ، أي ائتوا بكل قوتكم ظاهرة . ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ أي افعلوا بي ذلك الأمر الذي تدبرون ، من إهلاك أو طرد أو ما ترونه أنفسكم . وَلا تُنْظِرُونِ أي عجلوا أمركم لا تؤجلون ، فإني مؤيد من اللّه وهو معي ولن يضيرنى ما اعتزمتم وقد اعتمدت عليه سبحانه . فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 72 ) . تَوَلَّيْتُمْ أي أعرضتم عن الآيات وعن دعوة التوحيد التي أدعوكم إليها فإنكم تعرضون عن قول رسول أمين وناصح رشيد لا يريد منكم أجرا من مال أو جاه أو سلطان إنما يريد الحق لذاته . إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ؛ أي لا أريد منكم أجرا فقد كفاني اللّه أجرى وهو شرف الرسالة لا شرفكم ولا جاهكم ولا سلطانكم وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الذين أسلموا وجوههم وهم مخلصون لا يريدون إلا ما عند اللّه .