محمد أبو زهرة
3606
زهرة التفاسير
أبي ذر أنه قيل : يا رسول اللّه إن الرجل يعمل العمل يحمده الناس ويثنون عليه ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « تلك عاجل بشرى المؤمن » « 1 » . إن المؤمنين الصافية نفوسهم والذين أخلصوا وجوههم للّه تعالى تميل إليهم قلوب المخلصين ، وكان بعض الأعراب يؤمنون بمجرد رؤيتهم لوجه النبي صلى اللّه عليه وسلم رآه مرة أعرابي فسأله : أأنت الذي تقول قريش أنك كذاب ، ما هذا بوجه كذاب ثم أسلم . ذلك صفاء النفس المحمدية بدا نورا في وجهه فآمن الأعرابي . وأما بشرى الآخرة فهي لقاء الملائكة لهم بالبشرى ، كما قال تعالى : لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ( 103 ) [ الأنبياء ] . كما يقول سبحانه : يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 12 ) [ الحديد ] . وإذا كان النبي صلى اللّه عليه وسلم ولى اللّه وهو أول الأولياء وهاديهم فلا يلتفت إلى قول الذين يناوءونه ؛ لأنه ولى العزيز الحكيم ؛ ولذلك قال سبحانه : وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 65 ) . وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ هذا نهى له صلى اللّه عليه وسلم حتى لا يبالي بهم ولا يأبه أو يحزن لما يقولون من تكذيب وتهديد ومن استهزاء وسخرية ومعاندة وإصرار على الكفر وطلبهم لعشيرته أن يسلموه لهم ليقتلوه ، والنهى عن الحزن نهى عن الاستسلام له والانشغال به بل يستمر في دعوته ، فاللّه عاصمه من الناس ، وقد علل ذلك النهى بما يبين أن الغلب في النهاية له ، فقال إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ، وهذا استئناف في مقام التعليل للنهي السابق ، والعزة هي الغلبة والسلطان وجميعها للّه تعالى فلا عزة
--> ( 1 ) هذا لفظ أحمد : مسند الأنصار ( 20872 ) ، والحديث رواه مسلم : البر والصلة - إذا أثنى على الصالح فهي بشرى لا تضره ( 2642 ) عن أبي ذر رضى اللّه عنه .