محمد أبو زهرة

3597

زهرة التفاسير

فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا والفاء الثانية واقعة في جواب الشرط المقدر المطوى في قوله تعالى : فَبِذلِكَ أي فإن ذلك النزول إذا كان من فضل اللّه ورحمته فليفرحوا ، وتكررت ( الباء ) لتأكيد أن ذلك الفضل وتلك الرحمة من أسباب الفرحة وهو يزيد على كل خير الدنيا ؛ ولذلك قال تعالى : هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ الضمير في هُوَ يعود إلى القرآن بما فيه من موعظة وهداية وشفاء لأسقام القلوب ، خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ أي من أموال ورخاء في الدنيا وأسباب القوة وغير ذلك مما هم حريصون على جمعه راغبين فيه ، فإنه إن كان يفرح زمنا فإنه يكون وبالا على صاحبه ، والمفاضلة هنا هي بين منافع مادية عاجلة ومنافع روحية ، وكلمة خير تدل على أنه بلغ أعلى الدرجات عن هذا الذي يجمعونه . إن الشريعة الرحيمة التي تشمل الحلال والحرام يخرج الكافرون عن نطاقها ولهذا قال تعالى : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ( 59 ) . أمر اللّه تعالى نبيه صلى اللّه عليه وسلم أن يسألهم عن الرزق الذي أنزل إليهم إذ يجعلونه حراما وحلالا من غير أمر إلهي يحل لهم ويحرم . وقد بين اللّه تعالى في الآية السابقة كيف هداهم وأرشدهم ، وفي هذه الآية الكريمة كيف يتلقون رحمة اللّه إذا انحرفت نفوسهم بالشرك . أَ رَأَيْتُمْ استفهام إنكاري والإنكار منصب على الرؤية وما بعدها من جعلهم بعضه حراما وبعضه حلالا ، والاستفهام الإنكارى هنا إنكار للواقع ، أي بمعنى التوبيخ فاللّه تعالى يوبخهم على أن جعلوا منه حراما وحلالا . وكلمة أَنْزَلَ معناها خلق وأنشأ ، وعبر بالنزول باعتبار أن الرزق رحمة نازلة من اللّه تعالى ، أنزل سبحانه من السماء مطرا أنبت به من ثمرات كل شئ مما يأكل الناس والأنعام وهو بمقتضى أصل الخلق والتكوين حلال بالإباحة الأصلية