محمد أبو زهرة
3584
زهرة التفاسير
فمنهم من جاء لتربية القوة والعزة كما هي شريعة التوراة التي نزلت على موسى ، ومنهم من جاء لتربية الروح والنفس كما هي شريعة عيسى لبنى إسرائيل الذين غلظت أكبادهم . وقوله تعالى : فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ أي جاء في وسطهم يدعوهم إلى سواء السبيل ، كان من أجاب منهم له ثوابه ومن أعرض ونأى بجانبه حق عليه عقابه ، وهذا معنى قوله تعالى : قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ . ونرى أنه لا تعارض بين الاتجاهين ، ويمكن الجمع بينهما ، فيكون الرسول داعيا في الدنيا ، ويكون في اجابته المهتدى والضال ، ثم يكون يوم القيامة شاهدا على الفريقين ، واللّه أعلم . وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 48 ) . وإن المشركين في إنكارهم للبعث يستعجلونه إن الأساس في رد دعوات النبيين إلى الرسالة الإلهية وهو إنكارهم البعث والنشور وكفرهم بما يغيب عنهم ، ولذا يكون استغرابهم من دعوة الرسل وإجابتهم واحدة مَتى هذَا الْوَعْدُ والخطاب في هذه الآية للرسل ، والقائلون هم المشركون ، فالضمير في كلمة يَقُولُونَ للمشركين لأنهم الذين يجادلون النبي صلى اللّه عليه وسلم . مَتى هذَا الْوَعْدُ الاستفهام هنا للتعجب والاستهزاء ، وللاستفهام عن الزمن البعيد عن الوعد الذي يكون وراء البعث ، والوعد هو الإنذار الشديد بالعذاب الأليم فيقولون ساخرين : متى يكون ذلك الوعيد ؟ ويكررون ذلك الاستفهام المستهزئ الذي ينم عن الاستهانة وعدم الاهتمام غرورا بأنفسهم وانغمارا في لذاتهم . وأعقبوا الاستهانة والاستهتار بقولهم : إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي أنهم يردفون الاستهزاء بتكذيب الرسل ، ولا بد من الإشارة إلى أن ذلك يتكرر في خطاب كل