محمد أبو زهرة

3579

زهرة التفاسير

إن اللّه تعالى قد أنزل آياته وشرائعه يهدى بها من يهتدى ، ومن ضل فإنما يضل عليها ، ووصفها أمام الأعين البصيرة والآذان المستمعة والقلوب المستقيمة ، وأنه يؤاخذ الناس بما كسبوا فإن استقاموا على الطريقة كانت الهداية وإن لم يستقيموا كان الضلال ، ولذا قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 44 ) . إن اللّه وضع كل أسباب الهداية أمام الناس وأرسل الرسل مبشرين ، وما كان ليعذبهم إلا إذا أرسل إليهم من ينذرهم بالعذاب الأليم ، إن لم يسلكوا سبيل الحق واختاروا سبيل الضلال وأفسدوا في الأرض بعد أن أضلوا عقولهم ؛ ولذا قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً . أصل « ظلم » بمعنى أنقص ، وأطلقت على ما هو ضد العدل والاستقامة ، وأطلقت على الشرك ؛ لأنه انحراف بالعقل عن الاستقامة والطريق السوى ، وقال تعالى : . . . إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ( 13 ) [ لقمان ] . والظلم هنا إما أن نفسره بمعنى النقص ويكون المعنى أن اللّه لا ينقص الناس شيئا بل يوفر لهم أسباب الهداية والإرشاد من : إرسال الرسل ، وإقامة الشرائع وآيات اللّه والتنبيه إليها ، ومنحهم العقول التي تدرك ، وحرية الاختيار فيما يفعلون ، ويوجد سبحانه فيهم قوى الإدراك . كما قال تعالى : وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 78 ) [ النحل ] ، وإما أن نقول : إن الظلم المنفى هنا هو عدم العدل ، ويكون المعنى على ذلك أن اللّه تعالى لا يظلم الناس شيئا في الظلم مهما قل ؛ لأنه أوجد فيهم الاختيار والإدراك وجعل تحت أيديهم أسباب الهداية ، فإن ضلوا فعن بينة وإرادة حرة مختارة ، واللّه تعالى يحصى أعمالهم ويجزيهم عليها ، كما ورد برواية مسلم عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في حديث قدسي عن ربه : « يا عبادي إنما هي أعمالكم