محمد أبو زهرة

3378

زهرة التفاسير

ولذا يقول في بيان حالهم عندما يكشف أمرهم وتعلم أقوالهم : يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا . قلنا : إن أقوالهم المنافقة كثيرة لا تخص واحدة دون الأخرى ، بل كلما تكشّف قول ينبئ عن نفاقهم - كذبوه وحلفوا اليمين الغموس الفاجرة ، وقد أشرنا إلى أن اليمين الفاجرة ، كانت المساغ لكذبهم ، لعنهم اللّه هم وأخلافهم في هذا الزمان ، وقد قالوا كلمة الكفر أي ما قالوه فيه كلمة واحدة هي كافية لطردهم من رحمة اللّه ، واستحقاقهم نار جهنم ، وهي إنكار الرسالة المحمدية ؛ إذ هي الكلمة التي أوقعتهم في حضيض الكفر ، أو نقول « كلمة » بمعنى كلمات ، وكلمة بها كلام قد يؤم « 1 » ، والمراد أن كلامهم كله في الاستهزاء والتهكم ، وإيقاع الفرقة ، والدس والفساد ، هو كفر . وقال بَعْدَ إِسْلامِهِمْ أي بعد إعلانهم الإسلام ، وإبطانهم الكفر والنفاق ، فهذه الكلمة أو الكلام قد كشف نفاقهم الذي كان مستورا بإعلان الإسلام ، فما استفادوا إلا بيان حالهم ، ومعرفة الوصف الحقيقي لهم . وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا أرادوا أن يفسدوا أمر المؤمنين ، وتوقعوا الفتنة والفشل فيهم ، ولم ينالوه ؛ لأن اللّه تعالى رقيب عليهم ، وكاشف للمؤمنين أمرهم ، وكلما أوقدوا نار فتنة أطفأها اللّه سبحانه وتعالى ، وعادت الأمور بيضاء لا فتنة فيها ، ولقد هموا بقتل النبي صلى اللّه عليه وسلم يوم أرادوا الفتك به بإلقاء حجر عليه فكشف اللّه تعالى بالوحي أمرهم ولم ينالوا مأربهم ، وهموا بقتله في عودته من تبوك ولم ينالوا ما يبغون ؛ لأن اللّه تعالى عاصمه من الناس ، فإنهم جمعوا عددا ما بين اثنى عشر ، وخمسة عشر رجلا للفتك برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو في أعلاها ، على حسب اختلاف الرواة كي يفتكوا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وإليك القصة كما رواها الإمام أحمد

--> ( 1 ) « وكلمة بها كلام قد يؤمّ » ، شطر بيت من ألفية ابن مالك ، ومعناه : أن " كلمة " تطلق ، ويقصد بها « كلام » ، مثل كلمة التوحيد : لا إله إلا الله .