محمد أبو زهرة

3574

زهرة التفاسير

في مسارعتهم إلى التكذيب واللجاجة فيه ثم المعاندة والمقاومة بالعنف من غير إدراك سليم ، وهذه الحال هي حال الذين من قبلهم فإذا تشابهت الحال فلا بد أن تتشابه النتيجة أو الأثر ؛ ولذا قال سبحانه : فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ أي فانظر على أي حال كانت عاقبة الظالمين كانت ريحا صرصرا عاتية ، أو ريحا فيها عذاب شديد ، أو جعل أرضهم دكا سافلها عاليها أو خسف بهم الأرض أو غير ذلك من آيات اللّه الكبرى في الذين يظلمون أنفسهم ويظلمون الحق معهم ، وإذا كان اللّه قد أمهل المشركين ولم ينزل بهم ما أنزل بالذين من قبلهم ؛ فلكى يستمر اختيارهم وعسى أن يخرج اللّه من أصلابهم من يعبده . وفي قوله تعالى : كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ إظهار في موضع الإضمار ؛ لبيان أنهم ظلموا أنفسهم وظلموا الأنبياء الذين أرسلوا إليهم وأنكروا حقائق ثابتة قد خلت فيمن ظلموا . وإن الحق حق في ذاته ، سواء أكثر من آمنوا به أم قلوا ، وسواء خضع له أو لم يخضع ، والثواب لمن آمن واهتدى والعذاب لمن كفر . ولذا قال تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ ( 40 ) . الضمير في كلمة مِنْهُمْ يعود على المشركين في قريش ، أما ضمير في كلمة بِهِ فيعود على القرآن الكريم . وإنه من نعم اللّه على الخلق أن لم يجعلهم جميعا على كلمة الشرك أو الإنكار ، بل منهم من يذعن للحق فيسارع إليه كما يسارع المشرك إلى الإنكار . وهذا الكلام فيه تبشير للنبي صلى اللّه عليه وسلم بأنه مع هذه الحال الحالكة المظلمة سيكون من يؤمن ومن يجدد إيمانكم في كل الأزمان ويصدق بالقرآن ويذعن له ، فالقرآن باق خالد محفوظ ، ونور يهدى ما بقي الإنسان في هذه الأرض .