محمد أبو زهرة

3572

زهرة التفاسير

ولكمال التحدي أمر اللّه نبيه أن يدعوا من يناصرونهم ومن يستطيعون نصرهم ، فقال في سياق أمره - سبحانه - لنبيه : وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فدعوة هؤلاء النصراء لأمرين : أولهما - ليشهدوا كذبهم في ادعائهم . ثانيهما - لينتصروا بهم ويكونوا قوة معهم يظاهرونهم فيما يدعون ، ولكنهم مع ذلك لا يمكنهم أن يأتوا بقرآن مثله كقوله تعالى : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ( 88 ) [ الإسراء ] . وقوله تعالى : إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي في ادعائكم الافتراء وإن محمدا كذب على اللّه تعالى ولكنكم عاجزون فيبطل ادعاؤكم الافتراء . وفي كلمة قُلْ فَأْتُوا - الفاء للإفصاح لأنها تفصح عن شرط مقدر تقديره : إذا كنتم تدعون أن محمدا افتراه فمحمد بشر عربى مثلكم ، فأتوا بسورة من مثله . هم لا يؤمنون أنه افتراء ويؤمنون أنه كلام لا ينطق البشر بمثله ، ولكن لأنهم سارعوا بتكذيب الرسالة المحمدية لجّوا في التكذيب وتورطوا في الإنكار حتى وقعوا فيما لم يقع فيه عربى يعرف معنى البلاغة في القول ، لذا قال تعالى : بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ( 39 ) . بَلْ للإضراب عما حوى ما قبلها ، والإضراب عن ادعاء الافتراء ، معناه أنهم لم يقفوا في دعوى الافتراء إلا بأمر سبقه ، وهو أنهم سارعوا بالتكذيب من غير أن يتأملوا . وهذا هو قوله تعالى : بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ أي بما لم يعلموه علم إحاطة وفحص لحقائقه ومدى ما فيه من إعجاز بيانى وما حوى من شرائع