محمد أبو زهرة
3570
زهرة التفاسير
وقد ذكر سبحانه دلائل صدقه من أمور أربعة : الأمر الأول - أنه تصديق الذي بين يديه في الكتب السابقة الصادقة ، وما كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يقرأ أو يكتب ونشأ في قوم أميين لا يعرفون علم الكتابة ولم يختلط صلى اللّه عليه وسلم بأحد من أهل الكتاب ، أو يلتق بأحد من الأحبار والرهبان إلا مرتين ، واحدة وهو غلام في الثانية عشرة ، والأخرى وهو في الخامسة والعشرين وكلتاهما كان فيهما عابر سبيل ، وأن التوافق بين ما جاء بالقرآن وما جاء بالكتب السابقة دليل على أنه ليس افتراء بل هو من عند اللّه سبحانه وتعالى ، والاستدراك معناه الانتقال من نفى الافتراء إلى الإيجاب بذكر الدليل الخارجي من نفس ما سبقه من كتب ، وفي التعبير بكلمات : تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ إشارة إلى أنه شاهد لها بالصدق ، وإن كان التوافق دليل على أنه ليس به افتراء وهو مشتمل مع ذلك في ذاته على الإعجاز ، فالكتب ليست معجزة بذاتها ، ولكن اقترن بها ما يدل على صدق الرسل من بينات شاهدة : كعصا موسى وغيرها ، وكإبراء الأكمة والأبرص ، وإحياء الموتى بإذن اللّه ونزول المائدة بأمر اللّه تعالى . الأمر الثاني - مما اشتمل عليه القرآن الكريم أنه « تفصيل الكتاب » أي بيان ما كتبه اللّه تعالى على خلقه من فرائض ونظم وأحكام فيها صلاح العباد في الدنيا والآخرة من صلاح معاشهم وتنظيم حياتهم وتكوين مجتمع فاضل يكون الخير فيه شائعا ظاهرا ، وتكون الرذيلة مختفية مغمورة . الأمر الثالث - من دلائل صدقه - أنه لا ريب فيه لمن تدبر وتأمل ، فهو ثابت بذاته وبما اشتمل عليه من تصديق ما بين يديه في الكتب وتفصيل الأحكام والشرائع فلا مجال للريب ، كقوله تعالى : ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ( 2 ) [ البقرة ] . الأمر الرابع - أنه من رب العالمين الذي كون العالمين وربّاهم ودبر أمورهم وأقام الحق والعدل فيهم ، وذلك كله في القرآن الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .