محمد أبو زهرة

3565

زهرة التفاسير

إن الهداية هي المقياس الإنسانى لعلو الإنسان وقد كان في المشركين ذوو رشد ينطقون بالقول الطيب كما ينطق الحكماء منهم : أكثم بن صيفي وغيره ، فهل الأوثان وغيرها يعلونهم بفضل الإرشاد والتوجيه للعمل الصالح فتعبدوها أو تتبعوها لهذا ؟ وحيث لا شئ من ذلك فلا مسوغ للعبادة إلا الضلال . ولذلك قال تعالى : هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ الاستفهام داخل على فعل محذوف ، والمعنى هل وجد من شركائكم أي من المعبودات التي زعمتم أنها شركاء للّه في العبادة ، من يهدى إلى الحق كما يهدى اللّه حتى تجعلوه كاللّه تعالى ، يقال هدى إلى الحق وهدى للحق ، و إِلَى تتضمن معنى الانتهاء في الهداية إلى الحق ، أي هدى منتهيا في هدايته إلى الحق . والإجابة عن هذا السؤال ستكون بالسلب لأنها أحجار نحتوها بأيديهم لا تضر ولا تنفع ، فكيف تهدى وترشد ؟ ولذا فرض أن الإجابة بالسلب كما هو شأن من له أعين تبصر وأذان تسمع ، وقد ترتب على هذا الفرض الواقع سؤال آخر فيقول سبحانه : أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى . ( الفاء ) لترتيب ما بعدها على ما قبلها وحقها التقديم ؛ لأن السؤال مترتب على الإجابة المفروضة في السؤال السابق ، ولكن لأن الاستفهام له الصدارة أخرت عن تقديم ، والاستفهام هنا للإقحام وفيه الفرض الأول ثم بيان أنه لا مساواة بين الفرضين ، أي أن من يهدى إلى الحق أحق أن يتبع فالاستفهام في هذه الناحية هو أنه لا مساواة بين من يهدى إلى الحق ومن لا يهدى إلا إذا وجد من يهديه ، فالاستفهام لبيان أحقية الاتباع لمن يرشد ويصلح بدلا ممن لا يستطيع الإرشاد ويحتاج كغيره ليهديه ، فمن لا يحتاج أحق ممن يحتاج لإرشاد غيره وهدايته ، وهذا في قوله تعالى :